سورية اقتصاد بمناسبة حديث الوزير سالم..واعترافات من ” كعب الدست

ناظم عيد – الخبير السوري:
اقترح أحد المستشارين في رئاسة مجلس الوزراء – عبر مذكرة مكتوبة – ألقاها شفهياً أيضاً على من يجب – مفادها أن تبادر الحكومة عبر ” السورية للتجارة” لشراء كميات كبيرة من الحبوب – وكان حينها موسم 2020 – ” قمح وبالتالي برغل …حمّص..عدس بنوعيه..فول ” وتخزين الكميات في مستودعات المؤسسة التي تستوعب كميات هائلة، ومن ثم تعبئتها بعبوات من زنة 1 و2 كيلوغرام، ثم بيعها بموجب البطاقة الذكية التي تستوعب فنياً توزيع عشرات السلع.
كان سعر كيلو القمح حينها على البيدر 500 ليرة والبرغل 700 ليرة والحمص 700 ليرة والعدس 500 ليرة والفول بـ 700 ليرة سورية…وكانت حجّة صاحب الفكرة أن أسعار هذه المواد قد تتضاعف لعدة أضعاف، لعلمه بأن التجار سوف يجمعون المحصول ويخزنونه ليعاد طرحه في الأسواق بأسعار تضمن علاوات مجزية، ما سيجعل هذه المنتجات تحدياً صعباً أمام المستهلك الذي من حقه أن يأكل من منتجات بلاده بأسعار مناسبة..
وفي دفاعه الشفهي عن الفكرة قال : ” ربما لن نتمكّن من استيراد الرز في العام القادم..فتكون هذه المواد بديلاً جاهزاً..يؤمن احتياجات المواطن ويحقق ربحاً مقبولاً للمؤسسة التي نصرّ على أنها ذراع التدخل الحكومي في السوق”.. واقترح أن تُمنح ” السورية للتجارة”  سلفة من الحكومة لهذا الغرض .
تمّ التواصل حينها مع وزير التجار من قبل من أعجبتهم الفكرة، وتولى الوزير المهمة باستجابة سريعة..كما تمّ منح المؤسسة سلفة وافية بقرار مجلس الوزراء للبدء بتنفيذ المهمة..
وفعلاً اشترت ” السورية للتجارة ” مئات آلاف الأطنان ونزلت بمعداتها و آلياتها و أموالها إلى الحقول ..وأبعدت التجار جانباً….لكن كان السؤال المهم هو ماذا بعد ؟؟؟
لم يجرِ توزيع ولا كيلو غرام واحد على البطاقة الذكية…والأخطر أن صاحب الفكرة ذاته جال على صالات المؤسسة بعد بضعة أشهر – بدايات العام الحالي – ولم يجد كيلو واحد برغل أو حمص أو عدس أو فول، نكرر ولا كيلو واحد..وبالسؤال كان الجواب: لقد نفدت الكميّات كاملةً.
أي تم صرف السلفة وجمع المحاصيل وتخزينها ..هذا صحيح، لكن كيف تمّ بيعها فهذا ما لم يجب عليه أحد.
والحقيقة التي يعلمها الجميع أنه تم بيعها للتجار..أي تم إعفاؤهم من عبئ التسوق من الفلاح و أجور النقل والتنقل تحت أشعة الشمس..وجاءت مشترياتهم إليهم محمّلة عبر ” أسطول” المؤسسة الحكومية ذائعة الصيت..وطبعاً لا شيء مجاني .
عندما جرى السؤال عن الكميات كانت أسعارها بدأت تحلّق في الأسواق وصولاً إلى اليوم ..البرغل 2500 ليرة والعدس 4000 والحمص 4500 ليرة والفول 5000 ليرة..ولم يستفسر أحد عن الموضوع ..ولا سؤال واحد حتى ولو من باب الفضول..وطويت الحادثة كما كل سابقاتها ولاحقاتها في هذا الملف النازف حتى الآن.
الواقع أن حديث وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في لقاء تلفزيوني أمس، هو ما استعاد هذه الحادثة إلى الذهن، فقد تحدّث عن أشياء مشابهة في تقاليد أداء ” التدخل الإيجابي” الفكرة ذات التطبيقات التي أوسعتنا جلداً و استهزاءً باحتياجات المستهلك ومتاجرة بها جهاراً نهاراً بلا خجل ولا وجل.
نعم  كانت لافتة إلى درجة الإدهاش ” اعترافات” الوزير عمرو سالم، فالرجل حاول أن يكون شفّافاً بشكل غير تقليدي – كما حضوره على الفيسبوك – بل ونبصم له بالعشرة على ذكائه لأنه اختار التسليم بفساد القطاع الذي تسلّم وزارته الثقيلة ووزره الأثقل، بدلاً من الدفاع عنه .. هو الذي يدرك بالتأكيد أنه ليس أصعب من الدفاع عن الشيطان وليس أشقى ممن يتولّى مثل هذه المهمة ” الحمقاء”.
نجح الوزير في تشخيص الخلل – جزئياً – وترك ما لم يبح به، و مرره بحرفية دون أن يقاطعه محاوره ويسأل المزيد بشأن التفاصيل، لكن لا بأس على كل حال.. فقد كنا أمس أمام جولة نادرة لـ”اعترافات مسؤول”.. وهذا تغير نوعي في تعاطي العابرين على مقصورة القيادة في هذه الوزارة، لكنه تغيّر خطير، و يرتّب مسؤوليات جسام على صاحبه، بل على الحكومة في المحصّلة، ويشي بأن ثمة إجراءات جراحية قادمة وقريبة لا يجوز أن تتأخر، و إن تأخرت فستكون هناك مشكلة أكبر من الآن بين المواطن والحكومة، وسيزداد الشرخ الذي يحتاج ترميمه إلى جهود من طراز خاص بل وخصوصي..
بالنسبة لكل مواطن..ما قبل حديث الوزير لن يكون كما بعده..أي كانت ساعة الصفر على عدادات الانتظار..انتظار إجراءات منصفة للمواطن، والأهم أن تنتصر له ممن ” سطوا” على احتياجاته وتاجروا – حتى الثراء – بها..نحن بالانتظار على كل حال.

2021-09-13 17:56:32
عدد القراءت (17221)