سورية محليات على سيرة البيان … هواجس اقتضت ” البيان”..؟؟!!

ناظم عيد – الخبير السوري:
لم يعد مصطلح ” إطفاء حرائق” تهمة لحكومة تتولى الشأن التنفيذي في بلد كبلدنا, تعصف به الرياح من جهات الدنيا الأربع، بل هي كذلك ويفترض أن تكون كذلك..وحسبها أن تنجح في مثل هذه المهمة الصعبة.
 إلا أننا لم نفهم لماذا تهرب حكومتنا من مثل هذا التوصيف  الواقعي والموضوعي واللازم “حكومة إطفاء حرائق”.. وتصرّ  – كما سابقاتها خلال السنوات العشر المنصرمة- على تدبيج سرديات على شكل برنامج عمل، من الواضح أنه استغرق وقتاً إضافياً على الأقل في الكتابة والتنقيح ومحاولات الإلقاء التجريبي ؟؟
ورغم حرصنا على تقدير حجم الوزر والظلال الثقيلة للحرب الملقاة على عاتق الفريق التنفيذي الراهن، إلا أننا لا نملك بمناسبة بيان الأمس أن نتجاهل تسجيل ملاحظة قديمة، وهي أن البيانات التي دفعت بها الحكومات المتوالية على المقصورة التنفيذية طيلة حقبة الحرب الكئيبة على هذا البلد، كانت مثيرة للدهشة لجهة الإصرار على تحوّلها إلى حالة بروتوكولية، لا يصعب على عاقل أو متابع استنتاج وتحديد آثار وملامح ملكة الاقتباس اللافتة المستحكمة فينا – استسهالاً ربما أو ضعفاً – والتي أوقعتنا في فخ استنساخ البيانات و التجاهل المريب لحيثيات وخصوصية وآنية كل ظرف أو مرحلة، ولحزمة المتغيرات التي تفرض نفسها بقسوة أحياناً، مهما بلغ بنا الشغف البغيض بالحالة الستاتيكية، بل و أكثر من ذلك.. إن كان ثمة حراك نلوذ به يكون بالهرولة رجوعاً إلى المربعات الأولى في تعاطينا مع أعمالنا على المستوى التنفيذي..ولا نظن أننا نتجنى..بل ونتمنى أن نكون مخطئين في قراءتنا لمؤشرات هي مصيرية في الواقع بالتالي لا تحتمل اجتهادات بل التوصيف وليس إلا.. وهذه ملاحظة لا نسوقها اليوم للتقليل من شان النيات الطيبة التي تسعى حكومتنا الحالية لتجسيدها رغم صعوبة وتعقيدات الواقع المرّ.
والواقع أن الحكومة نجحت في بيانها أمس بملامسة بعض الاستحقاقات الملحة..لكن بـ”صلف” وحرص متكلف  على عدم الغوص في تفاصيل صغيرة هي أكبر وأهم بكثير من ” كليشيهات الاستشراف”  في حسابات المواطن واحتياجاته..فربما لم يكن كافياً السرد الإنشائي المباشر الموجه إلى هذا المواطن، بلغة ومفردات مفرطة بعموميتها، لم يعد يكترث إليها كثيراً، بعد أن انتقلت قسوة الظرف بمراكز الإدراك لديه إلى الحالة الحسية، بعيداً عن كل مساحات التفكير والشعور والتخيل والاستنتاج والتحليل والتركيب..أي على طريقة من الآخر ..
لأن الوقائع الصّعبة عوّمت الهواجس المتصلة بالأسعار وجعلتها أولوية قبل زيادة الرواتب التي نظنها مجازفة حكومية ووعد صعب التحقق.. والاهتمام بالخبز قبل سرديات تأمين السكن الذي بات حلماً غير مدرج حالياً على لائحة الأولويات الملحّة السريعة التي رتّبها ظرف الحرب والحصار عفوياً في أذهان السواد الأعظم من السوريين…وتوفير وسائل النقل قبل الخوض في سباق المسافات الطويلة باتجاه توطين تجليات اقتصاد المعرفة..وإتاحة السماد للزراعة قبل الحديث عن “سلاسل القيمة” في القطاع و ” العلاقات الترابطية” ..وتوفّر السلع الأساسية قبل اجتراح فتوحات جديد في أدبيات إعداد الموازنة العامة..
ندرك أن حكومتنا وضعت نفسها أمام استحقاقات من طراز إستراتيجي، وهي استحقاقات دولة في الواقع من الصعب الهبوط بها إلى مستويات قليلة الارتفاع..لكن أيضاً لم يكن من الحكمة التحليق عالياً..ولم يكن من الحكمة أيضاً الوقوع في تماهٍ جامد مع بيان العام الماضي الذي كان أكثر واقعية، لكن المتغيرات التي حصلت في عام كامل لم تتكفّل بتغيير ملموس في صلب ما دفعت به الحكومة أمس أمام مجلس الشعب..ونتحدث عن متغيرات حادّة وقاهرة حصلت بين حكومتي المهندس عرنوس الأولى والثانية..إن على مستوى أسعار السلع والخدمات  أو القدرة الشرائية أو سوق العمل والبطالة أو الإنتاج أو الإيرادات وحتى الموارد واستثمارها….متغيرات كان يفترض أن تخفف كثيراً من ” سحنة البيان” التي كانت نخبوية أكثر من اللازم، وتصلح لزمان وظروف غير هذا الظرف..ونسأل لو كان بلدنا في أحسن حالاته أمناً واستقراراً و تنمية ونماء ماذا كان سيتضمّن البيان أكثر مما تضمنه أمس؟؟
ربما كان نصف البيان بحجمه و بتفاصيله ومحتواه عموماً.. كافٍ, أي بيان ” حكومة إطفاء حرائق” مقتضب واضح قريب حتى الالتصاق من هواجس المواطن و يومياته المعيشية، حتى لو فعلنا وخفّضنا مفاعيل جذوة الطموح والتحليق عالياً، كان حسبنا أن نفي بما قطعناه من وعود في مثل ظرف ضعف الإمكانات وانحسار الموارد والمفاجآت التي نهرب إليها دوماً لتعليق الإخفاقات، أما و أن الاسترسال قد حصل بصيغة استشرافية عابرة للقدرات ..فهذا يشي بمحاولة استنهاض غير موفقة للآمال..على الحكومة أن تحذر من تحولها إلى عامل استفزاز مباشر عندما تخفق بتحقيقها.
كان الشطر المتعلق بالإعلام الأكثر موضوعية  واختصاراً على أهميته، ومثله النفط والكهرباء، وكذلك الاستثمار وتعزيز بنى الإنتاج المحلي.. والتجارة الخارجية، وحتى السياحة، فالاختصار والاقتصار على ” ما قلّ ودلّ”  يعني أولاً الاعتراف بضعف الإمكانات..والواقعية ثانياً..وتفادي الوقوع في مغبة عدم القدرة على الإيفاء بوعد قطعناه ثالثاً.. ومصارحة المواطن و إشراكه في الهم والمسؤولية…وعندما ننجز أكثر مما تعهّدنا به من وعود، يكون إنجازاً نستحق عليه الثناء نتحدث عنه بعد أن يمسي واقعاً لا وعداً.
كلّنا أمل بأن يتحقق لبلدنا كل ما تطمح به حكومتنا، و أن نرى أداءً تنفيذياً يحمل لنا الكثير من المفاجآت السارّة على أرض الواقع، فرغم ما سقناه من ملاحظات تبقى ثقتنا كبيرة بدولتنا وبلدنا الصامد، لكن هواجسنا دوماً من الكفاءات ..فإدارة النقص تحتاج إلى قدرات ومهارات أكثر من إدارة الوفرة..وإدارة الموارد – وليس ندرتها – هي نقطة ضعفنا ومشكلتنا المزمنة، والقدرة على ضبط شيطان التفاصيل هي العبرة في أداء أي وزارة لكن هذا ” الشيطان” بقي متمرّداً على معظم من تصدى له، وربما كثيرون لم يروه أو على الأرجح تفادوا الاصطدام معه.
نختم بسؤال نظنه بالغ الأهمية..إلى أي حد يبدو الفريق التنفيذي متناغماً ليؤدي مهاماً استثنائية.. جسام ..ثقيلة..معقدة تصدى لها البيان..وعلى الأرجح ليست ذهنيات “التحويل الاشتراكي” ذاتها التي تصلح لإدارة ملفّات صعبة ..طعمها ولونها وتفاصيلها مفعمة برائحة اقتصاد السوق، وعلينا ألا نكابر لأنه الواقع.

2021-09-08 19:34:29
عدد القراءت (16798)