مشاركات الكرم باب الله بقلم الشاعرة د.سحر احمد علي

الكرم بابُ الله 
         **
ومِن حاضرٍ ما زالَ يستلبُ جُلَّ تفكيرِنا واهتمامِنا،
ويأسرُنا بتفاصيلَ يوميّةٍ قسريّةٍ،
حاضرٌ: الحضارةُ فيه في احتضار،
والخواطرُ فيه في انكسار،
أعود لأرجِعَ بذاكرتي إلى ماضٍ يُحاكيه صعوبةً وقسوةً وحِرماناً، بل وأكثر! ولكنه ومع ذلك هو ماضٍ يُعبّر عن الزمن الأصيل الجميل،
فذلك الماضي وعلى الرَّغمِ مِن قسوةِ العيشِ فيه،
ومِن خلوّهِ مِن أيّةِ تقانةٍ مِن تِقْنِيّاتِ العصر،
ومِن أبسطِ ضروراتِ العيشِ والمَدَنيّةِ فيه،
إلا أنّ آباءنا وأمّهاتنا وأجدادنا كانوا وبالفِطرة السّمحاء والأصالة والإباء، قد ارتقوا في الوجدانيّة وسموا في الإنسانيّة، بعفويّةٍ عريقة وببساطةٍ عميقة، فوجدوا أنّ أسمى ما في الوجود هو جبرُ الخواطر وإكرامُ الزائر، وأستحضرُ هنا -مِنَ الماضي الأصيل الجميل- بيتَ العائلة الكبير بزوّاره، المُتواضع بأسراره، فقد كان يقصده كثيرونَ مِنَ الأفاضل شباباً وشيباً (رجالاً ونساء)، قاصدينَ: [وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ]، سواءٌ بنعمةِ الكلام أم بنعمة الطعام، في أجواء ملأى بالمحبّة والطّيبة والسَّكِينةِ والإيمان.. 
وفي أحد الأيام وبعد تقديم مائدةٍ كبيرةٍ من الطعام للزائرين، رأيتُ والدتي (أم نزار- هند الشيخ يوسف) وبنخوتها المُعتادة وفي غرفة جانبية، تسكبُ في عبوة واسعة لأحد المُحتاجين، فأسمعه يقول لها: "الله يعوضكم من نعمه ويرحمكم برحمته"، فترد عليه والدتي: "هذا من باب الله.. إنه محبة بالله.. والخير من الله وفي سبيل الله، بما يرضي الله".. 
هذه التلقائيّة العِرفانية كانت تذكرني بما أحفظه من الكتاب المقدس: "وكل ما تعملونه، فاعملوه في المحبة".. وقول السيد المسيح "ع": "لو قدمتُ أموالي كلها للإطعام وسلمتُ جسدي لأحرق وليس عندي محبة لما كنتُ أنتفع شيئاً".. 
فليس يصل إلى القلب إلا ما كان من القلب، "إلا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم".. 
وكانت والدتي قد حدثتني عن أجدادها في الجبل عموماً، وعن جدتها (زهرة الجبل الصالح) خصوصاً، فقد كان يقصدهم كل من يسمع بهم ومن كل حدب وصوب.. 
رجعت بها ذاكرتها إلى حين كانت طفلة صغيرة، قالت لي: "دخل رجل نحيل حاني القامة بجلباب مهترئ وقدمين خشبيّتين حافيتين، لسانه ثقيل لا يكاد السامع يفهم منه ما يقول، تستمر والدتي بالحديث فتقول: كانت أبواب مضافات أجدادنا الحجريّة مفتوحة دائماً، أضافت قائلة: دخل هذا الضيف القاصد وهو يتمتم:  هو هوبث..هوبث.. فنظرنا إليه باستغراب نحاول فهم ما قال، ويرحّب به جدي (الصالح) أهلاً بك تعال واجلس، فردّ عليه القاصد بـ (تأتأة): هو.. هو.. هُبث هوبث! هنا نظر إليه جدّ والدتي فقال له: ماذا تعني؟ فقال: هوبث.. من أين أتيت؟ أين أهلك؟.. هوبث.. ماذا تريد يا بني؟ هُبذ.. هوغوبث.. وتتابع والدتي: بقي هذا الرجل يردّد ويقول: هوبث هوبث هوبذ.. حتى ظننا أنه مُطارد من أحد الخبثاء وجاء يحتمي بنا.. لكن إصراره على تكرار لفظته (وما زال القول لوالدتي) جعل جدتي (زهرة الصّالح) -وكانت من أكرم النساء في عصرها- تكتشف ما يُريد هذا السائل، فوقفت وربتت على كتفه، وبفراسة الكرماء قالت: أظنني عرفتُ قصده، وعلى الفور همست لابنتها (سكينة أم محمد) لتُحضر هُبثاً: (خبزاً) .. فتلبي طلبها بأقصى سرعة، وتأتي له بالخبز.. وما إن رأى ذلك الرجل الخبز حتى جحظت عيناه وتسمّرتا عليه وعلت شهقته المكان.. يأخذ الخبز فرحا ويقبل أيدي جدة والدتي (زهرة الجبل الصالح) التي ربّـتها فتطبعت والدتي بطباعها الخيّرة إلى أقصى حدود العـطاء والكـرم والجـود..
ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر، ومن جيل إلى جيل، أستذكر جيل العمّـة (سلمى الشيخ أسعد- أم صلاح، وطاهر زوجي)، هذا الجيل الذي تربـّى على فطرة الكـرم والمحبّة نفسها، الجيل الذي استمرّ بصنع خـبز (التـّنور)، والذي نراه اليوم بتقنية حديثة على طريق السّفر والرحلات!! خبز يمزج بين الماضي والحاضر كنوع من التـراث المستمـر.. 
قالت لي صديقة ذات يوم (أم أيهم سليمان مرسل) وكانت شابة صغيرة آنذاك.. إن عمتك (أم صلاح سلمى) كانت من النساء الصّالحات وأكرمهن في جيلها وأمهرهن في صنع الخـبز، إضافة إلى حياكتها لملابس الأحياء والأموات، وحضورها الرئيس في مراسم وفيات النساء، وتتابع (أم الأيهم سـعـاد زاهـر) قائلة: عندما كنا نزور قريتكم كانت رائحة خـبزها تصلنا من بعـيد، فنتسارع ونتهافت إليها لتستقبلنا بملقاها الجميل وطلتها البهية وابتسامتها الـرائعة وبكل سـخاء.. تقول: (أهلااااا أهلا أهلا .. كلوا كلوا من خير الله.. ألف صحة على قلوبكم).. وتتابع الصديقة فتقول: كنا في كل مرة نأتي إليها وهي تخبز تقدّم لنا كل ما في الطبق من خـبز!!  ونراها تعود به فارغاً إلى البيت لتعجن وتخبز من جـديد.. وتُـطعمُ من جـديد!!
الكـرم شجاعة، وفي الكـرم تلتقي السّـماء بـالأرض والآخـرة بالدنيـا، في حين المحبـّة كرم: "لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.." نعم: الإنفاق مِمّا نحب، ونحن على ذلك النـهج مستمـرّون، ننفق مما نحب، أيَّ شيءٍ نوزّعه ينقص ما عدا المحبة فإذا أنفقناها زادت! هذا ما كان عليه الآباء والأجداد.. ونحن على نهج ما ورثناه عن الآباء والأجداد سـائرون.. ومهما كان من ضيقٍ وشظف، لن نسمح للظروف ومهما قسَـت علينا أن نكون غير أنفسنا، نحن نحن، نحن الماضي في الحاضر والمستقبل في الحاضر. ومن ليس له تاريخ ليس له حاضر، والحكمة من كل ما ذكرت: لا تحجب الإحسان عن أهله إذا كان في وسعك أن تجود به، وكل ما تعملونه فاعملوه صالحاً في المحبـة لأنّ الله محبة والكرم محبة والإحسان محبة..
هكذا كان ماضي سوريتنا بسـيّداتها ومازلن الأصيلات منهن مستمـرّات بالعطـاء على أرضك سيدة العطاء سوريا..
وما أكثرَ كرمَكِ سوريتنا الحبيبة..
أرض الخيـر والعطـاء والمحبـة..
عاشـت سـوريا.. عاشـت سـوريا
                    **
د.سحر أحمد علي
سوريا/اللاذقية

2022-11-06
عدد القراءت (241)