جريدة البناء استشهاد سليمانيّ زلزال الضمير ـ حديث الجمعة بقلم ناصر قنديل ـ طهران

حديث الجمعة هذا الأسبوع سيكون مخصصاً لملف واحد هو إيران التي لا تزال تعيش ارتدادات زلزال اغتيال القائد قاسم سليمانيّ، وتحتفل بالذكرى الحادية والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية، وتستعد للانتخابات البرلمانية نهاية هذا الشهر. وقد أتاحت لي الزيارة التي أقوم لها إلى طهران اللقاء بعدد من كبار المسؤولين ومناقشة الكثير من القضايا والأفكار والفرضيّات مع عدد من النخب والمثقفين والإعلاميين، والسماع لبعض النماذج المستقاة من تحليل اتجاهات الرأي العام وتوزّع شرائحه حول العديد من العناوين، ما جعلني أرغب بتشارك هذه الانطباعات والاستنتاجات والقراءات مع أوسع عدد من القراء والمتابعين.

استشهاد سليمانيّ زلزال الضمير

 

صور الجنرال قاسم سليمانيّ تملأ الشوارع وجداريات الأبنية الكبرى ومكاتب المسؤولين في الحكومة والقوات المسلحة، والمكاتب الاستشارية العاملة مع مرشد الثورة السيد علي الخامنئي، لكن اسم سليمانيّ يتردد عشرات المرات في كل حديث تجريه مع أي من المسؤولين والقادة في إيران، ويدور الحديث حول فكرة تبدأ بذكر سليمانيّ ثم يعود ليدخل فكرة ثانية من مدخل سليمانيّ آخر. فالشعور بالمديونيّة لهذا القائد لدى الكثيرين، يرافقه شعور بالتقصير في التقدير، وربما شعور بالذنب لدى آخرين، لكن الشعور بعبء المسؤولية التي خلّفها والحب الجامع الذي أظهره له الشعب تلمسه لدى الجميع.

هذا الشاب المفعَم بالإيمان الديني والمتعبّد والخاشع في علاقته بالله والأنبياء وأهل البيت، الصادق في كل كلمة يقولها، المحب للفقراء والمساكين، القلق على مستقبل الدولة الإيرانية، من كل أنواع التغوّل، تغوّل السلطة وتغوّل المال وتغوّل الفساد وتغوّل البيروقراطية وتغوّل الكسل والخمول، هو الستينيّ الذي صار الرقم الصعب بالنسبة لـ»إسرائيل» وأميركا وتنظيمي القاعدة وداعش وعدد من دول الخليج، حتى تاريخ استشهاده. وهو القائد الذي صنع مجد إيران المعاصر لتتحوّل بموقعه القيادي وشكل توظيفه لهذا الموقع إلى دولة عظمى مهابة الجانب. ومثلما كان في حياته حارس الثورة والجمهورية خلف خطوط “العدو»، وسط انقسام سياسي كبير داخلياً حول دوره، صار بعد استشهاده الحارس بقوة ما أظهره استشهاده من مناخ شعبي رادع تجاه كل تفكير بالتصعيد بوجه إيران المحصّنة بطوفان شعبي خرج يطلب الانتقام لدم سليمانيّ بعكس الرهانات والافتراضات القائمة على تراجع التأييد الشعبي لخيار الثورة والجمهورية وقائدهما السيد الخامنئي، وسياساته، وإيران المحميّة باقتدار تقني وعسكري أظهرته الصواريخ التي استهدفت قاعدة عين الأسد، قالت إنها تملك العزيمة والإرادة وتملك معهما تقنيات حربية كافية للتملص من قدرات التقنية الأميركية لبلوغ أهدافها الحربية، وأسقطت الرهان على التفوق التقني الأميركي بمثل ما سقط الرهان على الانقسام الداخلي الإيراني.

كان سليمانيّ ينفق الكثير من الوقت والجهد، قبل الاتفاق النووي وبعده، ليجعل من دعم خيار المقاومة بوجه الهيمنة الأميركية والعدوانية الإسرائيلية موضوع إجماع سياسي عابر للتيارات المتنافسة على السلطة في إيران، رغم قناعته بالدور المرجعي الحاسم للسيد الخامنئي في مثل هذه الأمور الاستراتيجية، لكنه كان يرى في تحييد هذا التوجه عن خطابات التنافس قوة لإيران ورسالة للخارج تعزّز موقع إبران في مواجهة أعدائها وخصومها، وتعقلن الصراعات السياسية الداخلية، وتضعها في نصابها كتنافس سياسيّ يطال مشاكل الاقتصاد والعمران ومكافحة الفساد والتربية والصحة والخدمات والمؤسسات الدستورية وتفعيلها، لكن ما نجح بتحقيقه في فترة التفاوض على الاتفاق النووي وبعد توقيعه على هذا الصعيد، بتوحيد الموقف داخل صفوف القيادات الإيرانية، عزّز موقع المفاوض الإيراني، بالتزام المحافظين والأصوليين، وخصوصاً قيادة الحرس الثوري بهذا الموقف، بدأ يتصدع بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق، وظهور مواقف أخذت تتسع بين صفوف الإصلاحيين تحمّل دور الحرس وخصوصاّ الدور الذي اضطلع به سليمانيّ مسؤولية تدهور العلاقات مع الأميركيين الذي توّج بالانسحاب من الاتفاق النووي، ليأتي استشهاد سليمانيّ على أيدي الأميركيين وما تلاه من إعلان لصفقة القرن، فيكشف طبيعة ما كان يعدّه الأميركيون للمنطقة، ولإيران في المقدمة، وكيف أن سليمانيّ ودوره كانا قيمة مضافة تملكها إيران وبوليصة تأمين تحميها، وكيف أن خيار المقاومة ليس مجرد حليف توفر له إيران مقدّرات تضمن قيامه بدور فاعل في مواجهات المنطقة، بل هو من الباب الخلفي شريك في حماية إيران نفسها ورفع مكانتها؛ وبالتالي كيف أن كل استثمار تنفقه إيران في دعم قوى المقاومة هو استثمار جدي لأمنها القومي ولحماية استقلالها السياسي واكتفائها الغذائي، وليس استنزافاً لموارد يُفترض تخصيصها للشؤون الداخلية، كما كان يقول بعض رموز التيار الإصلاحي، أو كما كان أنصارهم يهتفون في التظاهرات، لتشكل جنازة سليمانيّ وما رافقها من طوفان شعبي رسالة أبعد مدى من كونها موجّهة للأميركيين، بل أيضاً للعديد من متعاطي الشأن العام في إيران، في السلطة وفي المعارضة، لاكتشاف حقيقة موقف الشعب الإيراني من خيارات المواجهة مع الأميركيين، ومن السياسات العليا التي يرسمها السيد الخامنئي والتي كان سليمانيّ مؤتمناً على أغلبها.

 

الانتخابات والتغيير المقبل

 

الشعور بالندم الذي عبّر عنه الذين لم يستجيبوا لمساعي سليمانيّ الوحدويّة في الداخل، لم يعد كافياً بنظر الذين كانوا يشاركونه الرأي ويشتركون معه في الخيار، والذين ينتمي أغلبهم للتيار المحافظ والأصولي الذين يرون ويجاهرون بما يعتقدون، لجهة الدعوة لمحاسبة التيار الإصلاحي في الانتخابات البرلمانية، لأن استشهاد سليمانيّ شكّل نهاية مرحلة وبداية مرحلة. والأمر ليس انتقاماً لسليمانيّ من أطراف في الداخل، بل إن استشهاد سليمانيّ أعلن نهاية الرهانات التي سوّقها التيار الإصلاحي على فرص التفاهمات مع واشنطن، وفرص الأخذ بالنيات الطيبة، وما يعنيه إطلاق صفقة القرن يكمل ما يقوله اغتيال سليمانيّ، من وجهة نظر الداعين إلى سلوك سياسة متشدّدة تطال النظر لمستقبل العلاقة بواشنطن، والملف النووي، والبناء الاقتصادي، والتحصين الاجتماعي، والثقافي، وإعادة صياغة للدور والموقع في المنطقة بلغة تناسب التغيير الذي حمله تزاوج اغتيال سليمانيّ وصفقة القرن. وبرأي هؤلاء أن هذا العبء الاستراتيجي المطلوب أن تتحمّله مؤسسات الدولة الدستورية لا يمكن أن يركن لمن يحملون قناعات معاكسة ليتولوا مسؤوليّاتها، ولا يمكن أن يؤتمن هؤلاء على قيادة إيران وفقاً لتوجيهات السيد الخامنئي وهم يتحدثون في مجالسهم، أنهم لا يؤمنون بها.

التيارات المحافظة التقيلدية تتوقع فوزها في الانتخابات البرلمانية، واللافت أن جماعات مؤيدة للرئيس السابق أحمدي نجاد موجودة بين صفوف هؤلاء، وتوقعات المصادر المحايدة نسبياً تتحدّث عن فوز كاسح للمحافظين قد يتراوح بين نيلهم ثلثي أو ثلاثة أرباع المجلس الجديد. واللافت أيضاً أن رئيس المجلس الذي تنتهي ولايته علي لاريجاني لم يقدّم ترشيحه للانتخابات، في خطوة ربما تتصل بالتحضير للترشّح لرئاسة الجمهورية التي تستحق انتخاباتها بعد سنة ونصف، بينما ترشح للانتخابات البرلمانية رئيس بلدية طهران السابق محمد باقر قاليباف الذي يرجّح أن يكون أبرز المرشحين لرئاسة المجلس، بينما وجد السؤال حول كيفية تعامل الرئيس الشيخ حسن روحاني وحكومته مع هذا الوضع نصف جواب بكلام الرئيس روحاني الاحتجاجي على رفض مجلس صيانة الدستور لترشيحات العشرات من المرشحين الإصلاحيين، ومنهم قرابة ثمانين نائباً حالياً، واعتراضات المجلس كما تقول مصادر من خيارات متباينة بين إصلاحيين ومحافظين، ليس فيها تحيّز أو تسييس بل هي مبنية ومؤسسة على عامل جوهريّ يرتبط بملفات الفساد والثراء غير المشروع التي يحقق فيها المجلس عند دراسته لكل طلبات الترشيح، وقد رفض على أساسها ترشيحات لإصلاحيين ومحافظين، وهي تعبّر بالتالي عما لحق بعديد من المنتمين للطبقة السياسية بعد أربعين عاماً من الوجود في الحكم، ومن انتصار الثورة، لكنها تكشف بالمقابل أن مؤسسات الرقابة المستقلة والقوية لا تزال تحمل روح الثورة وتحاسب وفقاً لأصول وقواعد لم تدخلها المحسوبية والمحاباة، ولذلك عندما اعترض الرئيس الشيخ روحاني على رفض الترشيحات قال لا نريد للانتخابات أن تتحوّل إلى تنصيبات، لقي رداً مباشراً من السيد الخامنئي لم يذكره بالاسم، لكن كان مفهوماً أنه موجّه إليه بالقول، إن الذين يعترضون على دور مؤسسة مرموقة وكفوءة هي مجلس صيانة الدستور، في ضمان عملية انتخابية صحيحة ينسون أنهم وصلوا إلى مراكزهم عن طريق الانتخابات.

الإيرانيّون الذاهبون للانتخابات النيابية خلال أقل من عشرين يوماً، لا يتوقع المتابعون والمهتمون ومثلهم تفعل استطلاعات الرأي أن تزيد نسبة مشاركتهم عن الـ 50% إلا قليلاً، ويرجّح أن تنخفض في طهران إلى 30% فقط، وأحد أسباب العزوف هو أن الناخبين لا يعلمون أن المرشد يحتاج إلى أن يجسّد البرلمان أوسع تمثيل للخيارات والطلبات والاعتراضات التي تمثّل الشعب وشرائحه ومناخاتها ومزاجها، لأن البعض يعتقد بقوة أن نسبة من الناخبين لا يمكن تجاهلها تعتقد أن مشاركتها لن تغيّر كثيراً طالما أن المرشد سقف الدولة وقراراتها فما فائدة المشاركة؟ ويقول هؤلاء المقرّبون من مصدر القرار إن هذا العزوف بهذه الطريقة بالتفكير يتناقض مع فهم دور الولي الفقيه الذي لا يصنع قراراً من العدم، أو من فوق المؤسسات، بل يتولى إقامة التوازن بين ما تظهره المؤسسات من خيارات يريدها الشعب، ويقيسها بمعايير الشرع والمصلحة لتتحوّل إلى توجيهات للسلطات، ويعترف هؤلاء بضعف التعبئة اللازمة بهذا المضمون تحت عنوان، المرشد يحتاج مشاركتكم ليبني قراراته على بيّنة، وغيابكم يُربك القرار.

ويرفض هؤلاء المقرّبون القول بأن هذا العزوف باعتبار المرشد سقف القرار نابع من يأس، بل يرونه نابع من ثقة، هي الثقة ذاتها التي ظهرت في حشود الملايين التي بايعت المرشد للانتقام لدم القائد قاسم سليمانيّ، والناس التي تشترك في احتفالات ذكرى الثورة، بعد مرور واحد وأربعين عاماً على قيامها، لا تفعل ذلك مجاملة ولا خوفاً بل لأنها تعرف بتفاصيل حياتها المكاسب التي جنتها من الثورة التي لم تنقل إيران إلى مراتب الدول الهامة سياسياً وعسكرياً وحسب، وفي هذا مكانة وكرامة وعزة للإيرانيّين، بل نقلت إيران لتصير دولة تعيش اكتفاءً غذائياً وشبه اكتفاء صناعي، وتضاهي دول العالم الصناعي بتقدمها العلمي، وتوفر الخدمات الأساسية بأسعار رمزية من الكهرباء والغاز والإنترنت والمحروقات، التي رغم رفع أسعارها بقيت الأرخص في العالم، وبقي سعر ليتر المياه فيها أضعاف سعر ليتر البنزين.

 

في ذكرى الثورة: الاستقلال والتنمية

 

العقود الأربعة التي مضت من الثورة وبناء الدولة، وما حققته على مستوى مفهومي الاستقلال والتنمية اللذين شكّلا معيار صعود وهبوط المشاريع التحررية في العالم الثالث، وقد اجتازتهما إيران حتى الآن بدرجة جيد جداً، ولكن ذلك لا يجب أن يعني عدم التطلّع لنيل درجة ممتاز، لذلك فالتحديات المقبلة التي يرى المحافظون والأصوليّون والمتشدّدون أنهم سيخوضونها لإدارة الدولة حتى في المهلة الباقية من ولاية الرئيس الشيخ حسن روحاني، تطال التعامل مع الملف النووي كما تطال التعامل مع قضايا الفقر ومكافحة الفساد، وقضايا البيئة الإقليميّة سواء ما يتصل منها بالعلاقة بكل من العراق وسورية ولبنان وفلسطين واليمن كساحات لقوى المقاومة، أو ما يطال الخليج وإدارة العلاقة مع منوّعات المواقف التي يعيش في ظلها وأبرزها بالتأكيد ما تمثله السعودية.

في الملف النووي لا عودة للتفاوض مع الأميركيين، وفقاً لمنطق المحافظين، دون أن يعني ذلك حكماً الخروج النهائي من الاتفاق النووي، وكذلك من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، بل ترك الأمر بالنسبة والتناسب مرتبطاً بكيفية تعامل الشريك الباقي في الاتفاق وهو أوروبا، بثلاثيتها الفرنسية البريطانية الألمانية، فإن ذهب الأوروبيون إلى مجلس الأمن بداعي العمل بموجب أحكام الخروج من الاتفاق، يصير الحديث عن الخروج من الاتفاق والمعاهدة مطروحاً على الطاولة، أما الأميركيون فميؤوس من التفاهم معهم ولا مصلحة لإيران لإبرام اتفاق معهم، إذا تجرأ الشركاء الآخرون على تنفيذ الاتفاق رغم التهديد بالعقوبات الأميركية، لأن العقوبات التي تعني إيران هي تلك التي تقيّد أوروبا وليس العقوبات المباشرة من أميركا، ومع أميركا ملفات وملفات لا فرص لحلها بالتفاوض. فالخروج العسكري الأميركي من المنطقة ليس شعاراً، بل هو مشروع استقلاليّ، تعجز دول كثيرة من المنطقة عن طرحه وإيران تتحمّل المسؤولية عن الجميع بجعله عنوان مرحلة مقبلة ليس مهماً كم تطول وكم تقصر، ولا يدخل في الحساب الإيراني التنبؤ بما سيحدث في الانتخابات الأميركية وتأثيراته من هذه الزاوية. فعندما تنتهي الانتخابات لكل حادث حديث وحتى ذلك الحين إيران تتقدم لترجمة التزامها بالتعاون مع شعوب المنطقة وقوى المقاومة لفرض هذا الانسحاب. وقد قال الشعبان الإيراني والعراقي كلمتهما في هذا الشأن وتشاركهم بذلك النسبة الغالبة من اللبنانيين والأفغان، بينما تقترب الدولة السورية من اللحظة التي ستضع فيها على الطاولة مصير القوات الأميركية على أراضيها.

مع واشنطن حساب يصعب إغلاقه بدمج عنواني دم القائد قاسم سليمانيّ، ومستقبل فلسطين، ولذلك توفر صفقة القرن التي أظهرت بقوة لشعوب المنطقة صوابية خيارات قوى المقاومة، فرصة لتشكيل جبهة واسعة، ليس مهماً أن تنتظم في مؤسسات واحدة، بل هي جبهة شعبية سياسية ومقاومة مترامية الأطراف على مساحة العالم الإسلامي خرجت تنتفض على تصفية حق العودة للاجئين الفلسطينيين والعبث بمستقبل القدس لصالح الاحتلال، ولذلك فالمنطقة ذاهبة للمواجهة وإيران لا تستطيع أن تتصرّف وكأن قضيتها تنحصر في كيف تبني كدولة علاقاتها الدولية، بل كيف تقود المنطقة نحو عنواني الخروج الأميركي وإسقاط صفقة القرن، وكيف تكون الدولة في إيران مكوّناً يتكامل مع الشعب والحرس الثوري، وتحت إشراف المرشد، لصناعة معادلة قادرة على الفوز في المعركتين. وهذا يستدعي مراجعة للنهج الاقتصادي والسياسي الذي سلكته حكومات ربطت مصير خططها بفرضية الشراكة مع الغرب، سواء عبر التفاهم النووي أو من خلال توقع تفاهمات في السياسة والاقتصاد تترجم موقع إيران الإقليمي، وقد ترتب على هذه الفرضيات إهدار وقت ومال كثيرين، في الاستثمار على وهم لن يتحوّل إلى فرضية واقعية إلا بإظهار المزيد من الاقتدار، وفرض المزيد من حقائق الأمر الواقع.

يرى الكثير من الخبراء والمفكّرين على ضفة المحافظين والمتشددين، أن مشكلة الشعب الإيراني مع السياسات الحكومية في جزء منه نتاج لضعف الموارد الناتج عن الحصار، لكنه في جزء آخر نتاج لبروز ظواهر مرضية اقتصادياً بطغيان الاقتصاد الريعي في سوق العقارات والعملات في المدن الكبرى، وخصوصاً في طهران، وعدم النجاح بإدماج الرأسمال الوطني الذي تمت مراكمة أغلبه في زمن الثورة، في عملية استثمارية منتجة؛ وفي جزء ثالث جراء ظواهر الفساد والإثراء غير المشروع التي تشكل اليوم الهاجس الرئيسي للعملية السياسية، والتي يجب أن تتحوّل مع الحكومات اللاحقة إلى مؤسسة لا تتأثر بتداول السلطة وتغييرات السياسة.

اللافت والمثير للإعجاب هو أن الإيرانيين الذين تقابلهم في طهران من مسؤولين ومستشارين وخبراء وقادة عسكريين، لا يحرجهم الحديث عن مشاكل البناء التي تعيشها الثورة والدولة، بل يعتبرون الشجاعة في التحدث عن هذه المشاكل علامة ثقة بأن الثورة لا تزال حية وقادرة على التصدي لهذه المشاكل. ورغم الضيق الاقتصادي والمالي فهم مرتاحون لوضع بلدهم التي يؤكدون أنها تخطت الأصعب من نتائج العقوبات وهي بدأت بأسواقها تتأقلم مع الاتجاه نحو البدائل الاستثمارية والاقتصادية للقطاعات التي ارتبطت بفرص الانفتاح، وتجاوزت المرحلة التأسيسية لتحويل التحديات إلى فرص.

الحيوية في النقاشات التي تعيشها طهران والتنوّع والتعدد في التيارات والأفكار والرؤى، تعبير عن مستوى قوة المشروع الذي أطلقه الإمام روح الله الخميني، وواصل قيادته ورعايته السيد الخامنئي، ففي إيران دولة حقيقية ومؤسسات دولة حقيقية، واقتصاد جدي، وقضاء جدي وبناء للقوة بكل جدية، وقدرة قتالية عالية الجهوزية والجدية ودبلوماسية شديدة الاحتراف، وإعلام متنوّع واسع التعبير عن مروحة الأفكار المتقابلة داخل المجتمع، ودورة حياة يعيشها الإيرانيون بعيداً عن التزمّت تحت سقف الضوابط المرتبطة بالإسلام، لكن بدرجة عالية من التسامج تلحظها في المطاعم والشارع والحدائق العامة، والجدير بالاحترام هو هذه الثقة بأن الأجيال الجديدة التي لم تعش زمن الثورة لتحفظ لها جميل التخلص من النظام السابق، تنال فرص التعليم الحديث وشراكة البحث العلمي والابتكار، مع معرفة صناع القرار بأن الإبداع يعيش في مناخ من الحلم والحرية سينعكسان بتعبيرات سياسية شابة واعتراضية وحماسية، لا تشكل بنظرهم سبباً للقلق بل للأمل، لأن العالم كله يتغير ويبحث الناس عن السكينة فيه وعن التوازن الداخلي للأفراد والشعوب. ويرى الإيرانيون أنهم يحصلون على النسبة الأعلى من هذا التوازن بالمقارنة مع مستويات ما يعرفه الأفراد وتعيشه الشعوب على هذين الصعيدين.

 
2020-02-07
عدد القراءت (14221962)