نقاط على الحروف المعجزة اللبنانية بالمقلوب نقاط على الحروف ناصر قنديل

المعجزة اللبنانية بالمقلوب 

نقاط على الحروف

ناصر قنديل

- يبدو لبنان وهو ينهار إقتصاديا وماليا ويقف على شفا شهر الهاوية ،قادر على صناعة معجزات مقلوبة تكشف العجز الذي يصيب المؤسسات ويظهر شللها عن ممارسة دورها ومسؤولياتها التي تفرضها الظروف القاهرة التي تخيم على لبنان واللبنانيين ، فتتحول الدولة جزرا مستقلة ، كل يمسك في جيبه نصف نص دستوري او قانوني ، ويحتمي وراءه لإختراع صلاحيات  تتصل بتكوين المؤسسات ، ويستثمرها لتعطيل المؤسسات وتجاوزها ، بحيث يبدو لبنان متجها بسرعة الإنحدار نحو القاع ، وتبدو لحظة الإصطدام وشيكة ، دون أن يبدو أن هناك من يرف له جفن ، ممن يفترض انهم أصحاب القرار .

- في ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية ، تجد قيادة الجيش التي أنيطت بها مهمة التفاوض ، بعدما قام خبراؤها بتحقيق إنجاز وطني كبير برسم خرائط تظهر وتحفظ الحق اللبناني ، أسبابها لخوض معركة الدفع بإتجاه توقيع مرسوم تعديل الخرائط وإيداعها لدى الأمم المتحدة ، وبعدما خاضت معركة الدفع بإتجاه توقيع الوزراء ورئيس حكومة تصريف الأعمال تخوض بصورة غير مباشرة عبر وسائل الإعلام وبعض الشخصيات معركة الضغط على رئيس الجمهورية لفعل المثل ، بينما يخرج آخرون لوضع هذه الحملة كدلالة على إنحلال المؤسسات ، وغيابها كمرجع ناظم للصلاحيات والأدوار ، ويصل آخرون الى ربط هذا الإنفراد بحسابات سياسية .

- في ملف الترسيم ايضا ، يجد رئيس الجمهورية والفريق الرئاسي أسبابا دستورية تنطلق من صلاحية الرئيس الحصرية في قيادة أي تفاوض ، للقول ان مهمة الاخرين جميعا ، تنتهي عند حدود تحضير المعطيات وتنفيذ التوجيهات ، ويبقى الرئيس وحده صاحب القرار ، وأنه لا يضير الرئيس أن يستخدم توقيعه على المرسوم الذي وقعه الاخرون وبات على طاولته ينتظر التوقيع الأخير ، لتحسين وضع لبنان التفاوضي وحفظ حقوقه ، دون تهور يغلق باب التفاوض ، وتهاون يسقط الحقوق ، ويعتقد هؤلاء أن كل إثارة للغبار حول موقف رئيس الجمهورية هو لعب في السياسة ، بعيدا عن روح المسؤولية وعن فهم الصلاحيات الدستورية والقانونية ، بينما يقول خصوم رئيس الجمهورية أن خلطا رئاسيا يجري بين التفاوض وحفظ الحقوق لتفاوض سياسي آخر على مسائل أخرى ، ليست ذات صلة بالمصالح الوطنية ، بل بالحسابات الفئوية التي تخص مصالح طرف سياسي محسوب على الرئيس له مطالب في الملفات الحكومية وغيرالحكومية .

- في الملف الحكومي ، كما يضع رئيس الجمهورية حقه الدستوري في التفاوض في جيبه وحقه الدستوري في التوقيع على مراسيم تشكيل الحكومة في جيب آخر ، يضع الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة التكليف في جيبه وتذاكر السفر في جيب آخر ، ويستثمر صفة الرئيس المكلف وكأنها صفة دستورية كاملة ، وهي لم تكتمل ، فإن كان يفاوض على شؤون تتصل بالدولة فهو غير مكتمل الصفة للتفاوض ، وان كان يقدم التزامات فهو يلتزم بما لا يملك ، وان كان يستثمر الصفة لصناعة رصيد شخصي في العلاقات الدولية فتلك من الآثام الوطنية والدستورية ، لكن الرئيس المكلف وفريقه يجدون في التكليف دون إكتمال العملية الدستورية لتشكيل الحكومة ، ما يكفي لجعل الرئيس المكلف على سورية دستورية مع رئيس الجمهورية ، فهو منتخب من النواب مثله ، وتوقيعه ملزم على تشكيل الحكومة مثله ، ولأنه لا ينوي الإعتذار فهو عاجلا أم آجلا رئيس حكومة كامل الصفات ، ولا ضير في أن يستثمر الوقت الفاصل عن ذلك في تهيئة الأجواء الخارجية التي يحتاجها لبنان وحكومته ، لتوفير الدعم الخارجي للبنان ، ويجد بعض الأشد حماسا من مؤيدي الرئيس المكلف ما يقولونه عن صلاحية أوسع للرئيس المكلف في إنشاء الحكومة ، من صلاحيات توقيع رئيس الجمهورية ، وإعتبار انه يمثل الحكومة لأنه يشكلها فهي حكومته وتحمل إسمه ، ومعني بإثبات قدرته على استثمار الوقت اللازم حتى يقتنع رئيس الجمهورية بذلك ، في فعل ما سيفعله بعد أن تتشكل الحكومة .

- في الشأن المالي والمصرفي مشهد  لايقل تعبيرا عن المعجزة اللبنانية بالمقلوب ، فالتدقيق الجنائي الذي أقرته الحكومة قبل سنة ، لم يبدأ بعد ، ولم يكن صدور قانون رفع السرية المصرفية الذي طلبه مصرف لبنان لتسليم الوثائق المطلوبة ، كافيا ليفعل المصرف ذلك ، ويجد حاكم مصرف لبنان من الصلاحيات في النصوص ما يجعله يجاهر بأنه يقوم بواجباته القانونية ، ومثل ذلك صدر قانون الدولار الطلابي ولا يزال يجرجر بين اروقة المصارف وحزم مصرف لبنان الغائب ، دون ان يصل المال المطلوب الى المستحقين ، وفي الدعم  الفالت تم استهلاك دولارات المودعين بدلا من اعادتها اليهم ، ضمن ضوابط قانونية وفواصل زمنية وسقوف للقيم المالية ، بما يتيح تغذية السوق بالدولارات اللازمة لتغطية حاجات الإستيراد ، ويلقي مصرف لبنان المسؤولية على الحكومة وهي بدورها تلقي المسؤولية عليه ، وتضيع اموال اللبنانيين ،ويقترب لبنان من الإنهيار .

- في الشأن القضائي ، تجد القاضية غادة عون من وجاهة قضية مكافحة الفساد وحماية حقوق اللبنانيين وأموالهم ، ما يكفي من الأسباب لملاحقتها كشف التحويلات التي هربت أموال المصارف الى الخارج ، ويجد مؤيدوها أسبابا كافية للقول انها قاضية مقدامة وشجاعة فعلت ما لا يجرؤ سواها على فعله ، ويقدمون أسبابا قانونية للقول انها  تتحرك ضمن صلاحياتها القانونية بينما يتهرب سواها من ممارسة صلاحياته ، ويخترع من بين سطور النصوص صلاحيات لكف يدها ، بينما يخرج مدعي عام التمييز ومن خلفه قانونيون وسياسيون وإعلاميون يصفون تحرك القاضية غادة عون بالإنقلاب ، ويعتبرونه تهديدا للإنتظام العام وتبشيرا بأحكام عرفية ومحاكم تفتيش ، ولا يترددون بوصفه بالعمل الميليشوي بعدما صدر قرار كف اليد عن مدعي عام التمييز بحقها ، وتدخل وزير العدل على الخط فيزيد الإنقسام بدلا من أن يحسم الأمر ، ولا أحد يعلم ماذا سيكون عليه الحال بعد إنعقاد مرتقب اليوم لمجلس القضاء الأعلى .

- المعجزة اللبنانية بالمقلوب مستمرة وتتمدد ، ومزيد من المؤسسات تنقسم وتتلاشى وتتبدد ، ولبنان ذاهب الى القعر بقوة الإندفاع السريع ، ولا أحد يرف له جفن ولا من يتردد .

2021-04-19
عدد القراءت (130)