سورية اقتصاد استثمارات ” بعيون الشيطان” ..لماذا يتلطّى متمولون سوريون كبار خلف واجهات صمّاء..؟؟

ناظم عيد – خاص – الخبير السوري:

غرق المتمولون السوريون – أو معظمهم – تقليدياً في غواية الواجهات..وعودونا على عدم الظهور على رأس استثماراتهم إلّا ” في الشديد القوي”..أي عندما تطرأ مشكلة كبيرة تستدعي تدخّل ” صاحب الرزق” الحقيقي.

وثمة حوادث في تاريخنا الاقتصادي متوسط العمق في مضمار الماضي، أكدت هذه الخصلة التي لا يجوز أن نستغربها و إن كنّا نستهجنها..وهذا رغماً عن حقيقة أن بعضهم يحبّ الاستعراض بسطوته الماليّة لاسيما في دائرة الاعتبارات المتعلقة بالعائلة والحي ..لأن ” الناس مقامات” في أعراف المجتمعات المخمليّة كما نعلم.

إلّا أن شيء أهم من شيء، بالتالي كان هناك من فضّل ميزات الانكفاء على ضريبة الظهور..وبالتأكيد ليس خوفاً من الحسد أو ” العين البصّصة”..؟؟!!

بالفعل لم تغرهم الإعفاءات ولا ملامح “البريستيج” الجديد الذي سعت الحكومات على مرّ عقود لإدخالهم في عباءته ومنحهم امتياز ” كياسته”..فرجال أعمالنا أذكى من أن يغرقوا في غواية الأبعاد الإستراتيجية و الآمال بعيدة المدى، لأن ثمة قناعة راسخة في أوساط مجتمعاتنا المرتبكة مفادها في تطبيقات المثل الذي يؤكّد أن ” عصفور باليد أفضل من عشرة على الشجرة”.

فالكثير من الاقتصاديين يجمعون على أن أفضل الشروط والمزايا بالنسبة للمستثمرين تمركزت في المرسوم 61 الصادر عام 2007 لتتمكن الشركات بمختلف أنواعها من التحول إلى شركات مساهمة عامة، وخصوصاً ما كان يعد فزاعة للكثير من أصحاب البزنس، وهو موضوع الضرائب والرسوم.

إغراءات بدأت باعتماد رسوم مخفضة جداً على إعادة التقويم، وبعدم أحقية الجمارك بالرجوع إلى المكلفين الذين أجروا عمليات إعادة التقويم بحجة الاستيراد بقيم منخفضة، وعدم السماح للدوائر المالية باعتماد القيم الجديدة أساساً لتمديد فعالية المكلفين خلال أعوام ما قبل إعادة التقويم، لينتهي المرسوم بعطاءات بلغت مزاياها المحافظة على الإعفاءات الممنوحة سابقاً والسارية المفعول للشركات والمؤسسات التي ستتحول إلى شكل قانوني آخر والتي تقرر الاندماج بشركة أخرى وذلك بنسبة المساهمة في رأسمال الشركة الجديدة ولنهاية الإعفاء.

 

إلا أن حسابات الحقل أكبر بكثير من حسابات البيدر في دفاتر قطاع أعمالنا الخاص، وهذا ما تكشف بعد 13 عاماً من سريان المرسوم – الميزة –  والحصيلة خير شاهد على ذلك، وهي تشير إلى عشرات الشركات المساهمة العامة ( معظمها مصارف) مقارنةً مع عشرات الآلاف من الشركات والمؤسسات الخاصة ( عائلية – مساهمة مغلقة – محدودة المسؤولية …الخ )

 

مزايا تداول الأسهم

 

أما حساباتهم المالية فقد ظلت رهينة المثل القائل “رأس المال جبان” والخوف كل الخوف من ارتفاع تكلفة الإفصاح المالي المطلوب من الشركات المساهمة، الذي تفوق على جميع المعطيات وما يمكن الاستفادة من كتلة الدعم الحكومي وخاصة الضريبي، ويعتقد مصدر في هيئة الضرائب والرسوم: أن انكشاف البيانات المالية جعل رجال الأعمال يعيدون حساباتهم بتحويل مؤسساتهم إلى شركات مساهمة عامة رغم جميع المزايا الممنوحة وتحديداً الإعفاء من ضريبة تداول الأسهم، التي توفر على المساهمة العامة مبالغ كبيرة، كان يفترض أن تدفعها عندما كانت شركة خاصة، ومن هذا المنطلق يبين مدير التشريع الضريبي في الهيئة أن مستوى التهرب الضريبي ليس منخفضاً بل مرتفع جداً، مبرهناً على ذلك بعدم إعلان أي شركة مغلقة رغبتها في إدراج أسهمها في سوق دمشق للأوراق المالية، وقال: إن ذلك يثبت صحة ما أشرنا إليه أنهم مصرون على عدم الإفصاح أو الإعلان عن بياناتهم المالية، وبدوره يؤكد مصدر في مجلس مفوضي هيئة الأوراق والأسواق المالية أن موضوع التهرب الضريبي وراء تراجع أغلب الشركات عن التحول، وقال: إن بعض الشركات العائلية لديها ثلاثة دفاتر حسابات، وهذه ثقافة يجب أن تتغير مع الوقت، وعلى الرغم من أن هذه الثقافة جديدة لكن علينا إقناع الشركات العائلية بالتحول.

ثمة سبب آخر يرى المصدر أنه رئيسي أيضاً وهو رغبة الكثير من أصحاب هذه الشركات في الاستمرار في إدارة الشركات العائلية.

وما يثبت أن رجحان كفة ميزان التهرب الضريبي أكبر بكثير من كفة الإفادة الناتجة عن التحول إلى مساهمة عامة، معرفة جميع أصحاب الشركات الخاصة بجميع مزايا هذا التحول وقد يكون أهمها على الإطلاق الحصول على مصادر تمويل خارجية بهدف التوسع، والدقة في إظهار المركز المالي الحقيقي للمؤسسة، إضافة إلى إمكانية مواجهة تحديات الانهيار التي تواجه معظم الشركات الخاصة وخصوصاً العائلية بعد وفاة مؤسسيها وما يرافق ذلك من تقسيم وانتقال للتركة، ومنح قدرة أكبر للشركات على مواجهة تحديات العولمة والتأقلم بشكل أفضل مع النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وتوفير فرص أكبر لتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية الطارئة .‏‏

 

مكاشفات ممنوعة

 

ومن المستغرب، أنه بعد تذكيرنا رجل أعمال يمتلك عدة مؤسسات تجارية بجميع هذه المزايا، عارض وبشكلٍ قاطع متطلبات الإدراج في سوق الأسهم التي تؤدي إلى الكشف عن ثرواته الشخصية التي كانت ولعقود من الزمن غير مفصح عنها، موضحاً أن الكثير من ملاك الشركات رافضون للمزيد من المراقبة – قاصداً هنا عند تحول مؤسساتهم إلى شركة مساهمة عامة – معرباً عن خشية البعض الآخر من أن يقوم منافس قديم أو شركة عملاقة محلية أو دولية بالاستحواذ على الشركة العائلية عن طريق شراء باقي أسهمها في السوق المالي في حال أنها قررت التحول إلى شركة مساهمة وطرحت نسبة من أسهمها للاكتتاب العام.

 

وبعد مرور أربع سنوات من صدور القوانين اللازمة لتحول الشركات من شكل قانوني إلى آخر للتكيف مع الاقتصاد الجديد، مازال البعض يعتقد أن المشكلة في عدم جاذبية التشريعات رغم جميع المزايا التي قدمتها الدولة على طبق من ذهب، إلا أن البطء في عمليات التحويل لم يكن ناتجاً عن قلة وعي المستثمرين أو جهلهم بالقوانين، من وجهة نظر أبداها يوماً الدكتور عابد فضلية أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، الذي أكد أن تطور بيئة الأعمال في سورية التي تتضمن تطور العمل المؤسساتي في الاقتصاد نحو الإدارة الحديثة ومزيداً من التنافسية والانفتاح وانتشار ثقافة الشفافية وسريان العمل بنظام الحوكمة، سيدفع وبشكل تلقائي الشركات الخاصة إلى التحول إلى مساهمة عامة، لكونها تصبح الشكل المناسب للبقاء والنجاح، معتقداً أن القوانين لا تشجع ولا تغير بشكلٍ مطلق وإنما تساعد في ظل تطور البيئة الاقتصادية بالدولة، معتقداً أن هناك أسباباً جوهرية تدفع إلى عدم تحولهم ومنها السعي إلى المحافظة على سمعة واسم الشركة في حالة الشركات العائلية، وعدم حاجة الكثير منها إلى التمويل في الوقت الراهن، وبالتالي ليست مضطرة إلى توزيع أعمالها أو رأس مالها وذلك في حال التحول إلى مساهمة عامة.

 

جوانب سامية

 

غير أن الجوانب السامية في آليات عمل المساهمة العامة دفعت آلاف أصحاب الشركات العائلية والخاصة إلى التحول في دول الخليج العربي وشمال إفريقيا خلال العقود الثلاثة الماضية، رغم انعدام المزايا في قوانين حكوماتهم، ومن هذه الجوانب: تجنب مخاطر العمل وإحقاق الحق لكل من ساهم في الشركة بشكل واضح وشفاف بعيداً عن التفرد بالإدارة من البعض، وبالتالي تجنب مخاطر الانزلاق في الأخطاء والصرف بغير محله والحوافز الموجودة من خلال هذا التحول.

 

ومن المقولات التي ما زالت عالقة في ذاكرتنا، تصريح لمستثمر ورجل أعمال خليجي كبير  إحدى اللقاءات معه، وقتها سألناه عن رأيه بالضرائب المفروضة على الشركات، فردّ قائلاً: إذا لم نوفر نحن موارد جديدة لخزينة بلدنا، من يوفرها، الأجنبي الغريب ؟؟؟..وفهمكم كافٍ!!!

http://syrianexpert.net/?p=45290.

2020-02-08 02:00:00
عدد القراءت (2039260)