سورية اقتصاد التقنيّة في مواجهة الفساد في سورية..مشروع وطني يرعب مفاصل كبيرة في مؤسسات الدولة..

خاصّ – الخبير السوري:

عندما يتحدث بعض المطّلعين عن ” أعداء التغيير”..كنّا نظنّها مجرد جملة تُطلق في سياق تبريري ..كما هي شكوك البعض بنظرية المؤامرة التي ثبت أنها ليست مجرد نظرية ذرائعية، بل حقيقة بتطبيقات عميقة لمسناها جميعاً في يوميات الحرب على سورية.

اليوم نجد أنفسنا – بالفعل – وجهاً لوجه أمام عثرات من إنتاج حملة هوية ” أعداء التغيير” في مشروع كبير على مستوى سورية اسمه ” الحكومة الالكترونية” ..فبعضهم يستعديه جهلاً لأن الإنسان عدو ما يجهل..وبعضهم عمداً عن سابق معرفة و إصرار، لأنه يقضي على منظومة مصالح..أي الفساد ..وسورية تبدو اليوم على بوّابة حرب ثانية، الطرف الآخر فيها هو الفساد بكامل قوامه ومرتسماته، حتى بكامل مقدماته وحتى مسوّغاته..

منذ عدّة سنوات أطلقت سورية مبادرة الحكومة الإلكترونية برعاية وزارة الاتصالات والتقانة علماً أن استراتيجية هذا المشروع، كانت قد أقرت عام 2009، في خطوة هدفها تأكيد أهمية هذه الحكومة التي باتت أمراً واقعاً يصعب تجاهله في ظل ثورة تكنولوجيا المعلومات وانعكاساتها الإيجابية على تسريع وتيرة العمل وجودته مقارنة مع الطريقة التقليدية المعتمدة في دوائر الدولة إن جاز التعبير.

بالأمس كانت اجتماع فني في مبنى رئاسة مجلس الوزراء، برئاسة رئيس المجلس الذي أبدى إصراراً لافتاً على إنفاذ تطبيقات واسعة الطيف لهذا المشروع..وقد أنتج  الاجتماع مخرجات جيدة وربما غير مسبوقة في مسيرة التعاطي الحكومي مع هذا المشروع…كما أنجز رصداً لما حققته الوزارات في سياق هذا المشروع..لكن الخبر جوبه بمنظومة ضخ سلبي وتشويش – لم يُكتب لها النفاذ والانتشار – مرتبطة بمبررات تتعلق بحيثيات الظرف المعيشي الصعب ..فبعضهم ردّ بـ” نريد خبزاً” و آخر بـ” ليس هذا الوقت المناسب” وسلسلة ردح من السّذاجة أن نظن أنها عفويّة كلّها..وهنا وجدنا أن المسألة تُختصر بفعالية أعداء التغيير، وبعضهم موظفون حكوميون في مفاصل مهمة غالباً، وجماعات مصلحيّة مرتبطة في السوق، والسبب هو أن الحكومة الالكترونية وتطبيقاتها ستقضي على الفساد، وتمنع تحويل المفاصل الوظيفية في مؤسسات الدولة إلى بقرة حلوب أو دجاجة تبيض ذهباً.

 فتغريد بعضهم خارج السرب غير مقتنع بآلية عمل هذا المشروع لأسباب تبدو مريبة في أبعادها وحيثياتها، ليبدو توجههم كمن يحارب طواحين الهواء.

 

صورة مقرّبة

تضم كل مؤسسة نموذجاً يسمى “الحوكمة” مسؤولاً عن تنظيم الهيكل الإداري وآلية العمل فيها، ففي المؤسسات الحكومية ساد النموذج الورقي زمناً طويلاً على الرغم من ضعف جدواه العملية مقارنة مع أنظمة المعلومات التي سيؤدي التوجه إليها إلى تغير شكل الهرم المؤسساتي إلى نمط آخر ستختلف معه طبيعة العلاقات الوظيفية، على حد تعبير أحد المتخصصين، الذي أكد أن الحكومة الإلكترونية في جانبها الإداري هي قضاء شبه كامل على الفساد، حيث بات الأمر محسوماً في هذا الشأن لكن التحدي الأكبر يكمن في تطبيقها على أرض الواقع ضمن برنامج زمني محدد، علماً أن هناك أعمالاً تجري في المكاتب الأمامية المنظمة للعلاقة مع المواطن، وأعمالاً أخرى تتم في المكاتب الخلفية صاحبة العمل الفعلي، تكامل هذين المكتبين سيسهم في ولادة خدمة جديدة أفضل من سابقتها، فمن المؤكد مثلاً أن المواطن سيشعر بالرضا عند حصوله على شهادة قيادة سيارة خلال يومين في النظام الإلكتروني بدلاً من الانتظار شهراً كاملاً وفق سير العمل الحكومي اليدوي.

 

 

إدارة التغير

 

سيؤدي الانتقال من الأسلوب التقليدي إلى الحكومة الإلكترونية إلى ظهور موظفين لا يؤيدون شكل العمل الجديد بسبب عدم الكفاءة أو خوفاً من تضرر مصالحهم، وهنا تبرز أهمية إدارة التغير وفقاً لرأي أحد من يعملون في إطار الفرق المتخصصة في الحكومة ، الذي ارتأى أن “معالجة هذه المشكلة تكمن في تدريب الموظفين وتأهيلهم وربط ذلك ببرنامج تحفيزي يحضهم على العمل النوعي، إذ يعتبر قانون العمل الموحد من معوقات عملية التنمية الإدارية والحكومية، وفعلاً وضعت مبادرة الحكومة الإلكترونية مقترحات تحفيزية قرنت بمعايير قياس الأداء بغية تحقيق نتائج مرضية، ولعل من أهم نقاط قياس الأداء عدد المعاملات والمدة الزمنية المستغرقة في إنجازها وربطها بنظام المكافأة وتقديم الخدمة الأفضل للمواطن، ما جعل مبادرة الحكومة الإلكترونية عاملاً مساعداً للموظفين وليست عائقاً أمامهم”، مستبعداً في سياق حديثه لجوء الموظفين للفساد عند وجود أسلوب إيجابي وقانوني في تحصيل دخل معقول، مستثنياً فئة قليلة تتولى مواقع مفتاحية لن يكون لها وجود في النظام الإلكتروني الجديد، لكن من باب طمأنة الموظفين وخاصة الذين لا يجيدون استخدام وسائل التقانة، يتوجب الإشارة إلى أن 80 % من الخبرة المطلوبة في العمل هي الخبرة العملية وليست المعلوماتية، فالموظف صاحب الخبرة المطلع على العمل وتفاصيله الدقيقة يأخذ تدريبه وقتاً أقصر من الموظف الجديد، فالمشكلة لا تتعلق في تدريب الموظفين كما يصورها البعض وإنما في تجهيز النظام الجديد وتطبيق أدواته في الوقت المناسب.

 

 

 

أعداء التغيير

 

إن تغيير ذهنية الموظفين الرافضة للحكومة الإلكترونية يتجلى في شفافية الطرح وإصدار قوانين واضحة لا تترك مجالاً للتأويل والاجتهاد، وإجراء دراسات اقتصادية وإدارية حول جدوى هذه الحكومة وتطبيقاتها، ففي دبي مثلاً أجريت دراسة حدد من خلالها الوفر الحاصل في ميزانية الدولة عام 2007 بأكثر من 91 مليون درهم نتيجة اعتماد النموذج الحكومي، ولكن أهمية هذه الدراسات لم تكن دافعاً قوياً على ما يبدو لإجرائها في سورية.

 

ومن جهة أخرى يبدي تفاؤله بتقبل المجتمع لتطبيقات الحكومة الإلكترونية مستقبلاً فيقول ” سيكون الناس متفاعلين إيجابيين في القدر ذاته الذي تعاملوا فيه عند استخدام البطاقة الإلكترونية مع إمكانية توفر خيارات عديدة تسهل التعامل معها، فمثلاً يمكن وضع كوة إلكترونية في مؤسسات الدولة لمساعدة الناس على التعامل مع الخدمات الإلكترونية الجديدة عند عدم القدرة على استخدامها، بينما يستطيع المواطن خدمة نفسه بنفسه إذا كان يملك المعرفة اللازمة، وبإمكانه في الوقت ذاته إنجاز أي خدمة يريدها (دفع الفواتير مثلاً) دون التقيد بمكان وزمان وجوده في حال عدم رغبته في القدوم للمؤسسة المختصة.

 

 

 

تفصيل

 

يتميز النموذج الإلكتروني عن الورقي بقدرته على تحديد مقدار العمل المنجز مدعماً بأرقام دقيقة، بيد أن سورية لم تصل حتى الآن إلى مستوى يمكنها من اعتماد هذه الآلية، حيث يتعلق ذلك بأتمتة العمل الإداري من جهة وتكامله من جهة ثانية.

والوزارات التي حققت نتائج ملموسة هي وزارات كان الوزير فيها مؤمناً بأهمية المعلوماتية في تطوير عمله، إذاً القضية مرتبطة ارتباطاً مباشراً بتبني الوزراء ومعاونيهم لهذه المبادرة المشكل لها في كل وزارة فريق عمل يرأسه معاون الوزير لمتابعتها ونقل تطوراتها للجهات المعنية، وتبقى كلمة الفصل لاتخاذ قرارات مناسبة وإعطاء هذا التوجه الدعم المناسب.

استعداء تطبيقات مشروع الحكومة الالكترونية من قبل من يعود الدافع لأن ” الإنسان عدو ما يجهل” سيكون سهل الحلّ، وسيكون عدد هؤلاء مرشح للتناقص عندما يلمسون نتائج طيبة.

لكن الذين يناهضون الفكرة ممن يدركون ما الذي سينجم عنها في تقليص مساحات الفساد والرشاوى وابتزاز المواطن، والعيش على مفهوم ” السكّرة ولحسة الإصبع” فربما يكون من الحكمة التعامل معهم بطرق ردعية قاسية ولو وصلت إلى حدّ الصرف من الخدمة، لأن مناهضة أي مشروع تطويري تعني تهمة مباشرة على خلفيات غير نظيفة من أي نوع كانت..وقد يكون من الحكمة متابعة هؤلاء الذين يصرخون في وجه المشروع، فالمثل الصيني يقول ” إذا كنت بريئاً لم كل هذا الصراخ؟؟”.

2019-12-16 09:04:33
عدد القراءت (12257)