لبنان حوارات تلفزيونية ناصر قنديل لـ«الشعب» التونسية «اتحاد الشغل»: بوصلة تونس انتصار سورية سيحرّر مصر وسيعيد الملفّ الفلسطيني إلى الواجهة

حوار الحبيب الشابي تصوير: منتصر العكرمي

ليس الشرف للإنسان في أن يقول إني سجين، بل كل الشرف في أن يقول إني أحاول الخلاص من سجني، وأنّ الوطن العربي قد سيّجته السجون من كل جنباته. فإن التوق إلى الحرية ظلّ كالنور في الافق البعيد، يطلّ بأشعته عبر الفكر النيّر والإرادة الصادقة المقرونين بدور المثقف العضوي، الذي تنهض حياته من أوجاع أبناء شعبه، وتتوقف نبضات قلبه حين تنتصر أحلام هؤلاء الابناء على عتبات المؤامرة.

الدكتور ناصر قنديل يضيء نوراً من قنديل فكره وروحه لتنتصر الأمة. فلا هو غالوي عربيّ، ولا هو قرامشي كوني. هو وفاء لروح الشهداء والمقاومين.

كيف يلتقي عندك الفكر بالمقاومة؟

أعتقد ان المقاومة أصلها فكر، لأن المقاومة تبدأ من رفض الاعتراف بهزيمة وقعت في الميدان. وهذا ما حدث في لبنان في اجتياح 1982 عندما اجتاحت «إسرائيل» بيروت وصنعت للبنانيين رئيساً لجمهوريتهم. يومذاك رفضت ثلة من الشباب فكرة الهزيمة، وأصرت ان الأمة لا تُغزى، فكانت المقاومة هذا الوميض الفكري الذي أسس للبحث عن السلاح وعن آليات الانتصار. ولكن الاصل هو الفكرة المقاومة. إن لم تكن فكرة فما عساها أن تكون في الصراع المفتوح بين الشعوب المقهورة في وجه قوى الظلم والعدوان. لا تملك الشعوب ان تملك التفوق في الامكانيات بأن تصنع النصر.

أملها الوحيد في صناعة النصر الذي يشكل معركتها، الدافع ينطلق من إيمانها بأنها ستعوّض الخلل الذي يمنح العدو التفوق بتفوّق معاكس في القدرة على ابتكار الجديد… وهذا ماذا عساه ان يكون سوى فكرة.

فمعركة بنت جبيل لا يمكن تفسيرها إلا بهذا المعنى. بينما يفرّ جنود الاحتلال من الميدان تحت أقدام رجال المقاومة.

هل ما زال للفكر دور في إخماد صوت الرصاص وحقن الدماء؟

إذا اخذنا تجارب الانتصار على الفتنة لأن الرصاص المذموم ليس رصاص التحرير، بل رصاص القتل المجاني الذي يسأل الفكر عن طرف إسكاته.

هذا النوع من الرصاص يقوم على إحلال العصبيّة مكان الهوية والانتماء اليها، وحده الفكر يعيد تصويب البوصلة ويضع الناس أمام مرآة هويتهم الاصلية. هكذا انتصر مانديلا على تقسيم بلاده بين البيض والسود.

وهكذا تتقدّم فكرة الدولة المدنية كقارب خلاص أمام الهمجية.

وها هي غارات التحالف الدولي زاد عددها علی 55 ألف طلعة، لم تفعل شيئاً أمام ما يمكن ان تفعله فكرة، فكرة تخرج السم الذي تنفثه قوى الرصاص الاسود، بينما غارات التحالف تزيدهم مدداً وعدداً وقوّة.

يبدو أن عضوية الدكتور قنديل ذات ثنائية عجيبة. بفكره يقاوم الذهنيات الرجعية وبنضالاته الميدانية يحارب مكامن العمالة؟

لا تستطيع عندما تتحدث عن تحدّي الخيارات ان تتصرف كطبيب اختصاص، فالقضية ذاتها تستدعي منك خطاباً حماسياً. تدعوك إلى مناظرة هادئة لتفكك فكرة الآخر وإلى بندقية تقاومه بها.

والمثقف الذي لا يوطن نفسه على جهوزية مفتوحة تقتضيها القضية سيسقط، لأن أصل الجهوزية خيار أخلاقي وفكري. يتصل بمدى الزهد، وبتطلعات الجسد إلى البقاء على قيد الحياة. وعندما تصغر الحياة وما تقدمه من مغريات في عين المثقف، يصبح استشهادياً حتى لو لم يحمل البندقية، فيسدد كلمته الحرّة والكلفة قد تكون حياته كلّها.

على رغم حجم المؤامرة وبربرية العدو، ما زال صوتك مدوّياً صادعاً بأنك مع سورية شعباً وجيشاً وقيادة، ألا تخشى من إسكات هذا الصوت وترسانات الاسلحة منتشرة أكثر من أقلام الرصاص في وطننا العربي؟

بيننا وبين الذين يتآمرون على سورية قضية وبوصلة القضية هي فلسطين والبوصلة هي المقاومة.

لو غادرت سورية فلسطين كقضية والمقاومة كبوصلة اليوم لغادرناها أمس. نحن لا ندافع عن صنم ولا عن مقدّس، فكلٌّ منشغلٌ بالسياسة وممارسته إلى السلطة تحت سيف النقد والمساءلة والدعوة إلى الاصلاح والتصحيح.

وأزعم ان الذين يساندون سورية في حربها اليوم هم الاشد حرصاً. أي أن يروا دولتها أقرب إلى الناس وأكثر دفاعاً عنها، وهم الواثقون أن الحرب التي فتحت علی سورية تحت عناوين براقة تدّعي سعياً إلى إصلاح الدولة. انما كانت حرباً تستهدف ما هو مشرف في سورية وهو التصاقها بفلسطين القضية والتزامها بالمقاومة بوصلةً.

ومن موقع هذه الثقة بما تمثّله وقفة المقاومين في الوطن العربي في الدفاع عن سورية رمزاً للقضية وللبوصلة، من يسقط شهيداً دون قلمه او بندقيته، يسقط شهيداً لفلسطين وللمقاومة، ونحن جيل عاهد نفسه أنّه منذورٌ لفلسطين والمقاومة.

إلى أيّ مدى تعتقد أن احتلال سورية هو نهاية حلم عربي ظلّ ينشد الاستقلال والوحدة؟

بقدر حجم الجهد المرصود لإسقاط سورية. ووفقاً للتعبير الذي وصفت به «واشنطن بوست» بشار الاسد أنه أغلى رجل في العالم، فإن مئة ألف مليار دولار لا تكفي لإسقاطه. وأذكى رجل في العالم لأن حواسيب البنتاغون فشلت في رسم الخطط للتخلص منه. وأقوى رجل في العالم لأن 130 دولة اجتمعت على إسقاطه ومعها تنظيم «القاعدة» وفشلوا. وإن كان كل هذا يُرصَد لإسقاط سورية ورئيسها فهل تكون قضية رئيس، إنها قضية أمة… فسقوط سورية هو سقوط أمة، إنها آخر القلاع الصامدة.

إلى أيّ مدى تعتقد أن خروج سورية من هذه المحنة هو مؤشر على إيقاف مشروع شرق أوسطي كبير؟

«هوشي منه» زعيم الثورة الفييتنامية، سُئل ذات مرة ماذا عساه يفعل إذا ضاعت عنه البوصلة. فقال: أكتفي بأن أسأل نفسي عمّا يزعج عدّوي أكثر. وبالقياس أقول: إذا كان سقوط سورية هو سقوط أمة، وأن صمودها وانتصارها هو نقطة الضوء في نهاية هذا النفق.

في صورة انتصار المقاومة في سورية هل سيكون ذلك مدخلاً للمقاومة في البلدان التي تداعت تحت عناوين الربيع العربي؟

بالتأكيد، لأنّ في الأمة فلسطين حية، وكل الحرب الدائرة على مساحات بلداننا لها هدف واحد هو خلق عناوين وشعارات وهويات وانتماءات وصنع قضايا فقط حتى لا تبقى فلسطين هي القضية. ونحن وأعداؤنا ارتضينا ان حرب سورية ستقول الكلمة الفيصل بيننا.

فانتصار المقاومة في سورية يعني سقوط كل العناوين لمصلحة عودة الروح إلى القضية والهوية اللتين يراد تغييبهما ولهما عنوان واحد هو فلسطين.

ويكفي أن الوضع العربي زمن جمال عبد الناصر كان اسوأ من الان بكثير، والليل كان أشدّ سواداً، لكن الوميض الذي أيقظه جمال عبد الناصر غيّر وجه المنطقة والعالم.

وهكذا كان انتصار المقاومة عامَي 2000 و2006 قوة دفع لخيارات وهويات عادت معها فلسطين إلى الألق، وخرج العرب بالملايين من أجل فلسطين.

ولم يصبح السيد حسن نصر الله رمزاً للمقاومين وللشرفاء العرب لعمامته ولخطابه الديني، إنما كما قال هو نفسه، أنّ الأميركي و«الإسرائيلي» سيفرحان كثيراً أننا مسلمون وشيعيون، ولكننا لن نقاتل «إسرائيل» لأن مشكلته معنا ليس في شيء من هذا بل لقتالنا «إسرائيل».

ماذا فعل الدكتور قنديل حتى ترتفع الأصوات الحرّة داخل البرلمانات العربية والغربية؟

في سياق الحركة النضالية التي نخوضها، نعرف جيداً الواقع المسمّم والفاسد بقوة المال والنفط والانتقائية الثقافية والوصولية التي أصبحت أمراضاً اجتاحت أجساد العالمين العربي والغربي. لذلك نحن نراهن على استنهاض قوى حيّة في البرلمانات العربية والغربية، إنما ليس بقوّة الكلمة والضمير وحدهما، بل بقوّة ما تنجزه البطولات التي يصنعها المقاومون في الميدان وتغير المعطيات فتفرض على صناع السياسة التكيف معها. وبقوة ما تصنعه الكلمة الحرة في الشعوب فتطوق عقل الهزيمة والتآمر. البرلمانات العربية والغربية لا أمل يرجى منها ما لم يحاصرها المقاومون بانتصاراتهم وتحاصرهم الشعوب بكلماتهم.

ما دور المجتمعات الأهلية العربية في شحذ الهِمم ورفع التحدّي ضدّ ما يحاك من مؤمرات داخل الوطن العربي؟

عندما نتحدث عن مجتمعات، فنحن نتحدث عن نخب. لأن القوى النشطة في المجتمعات، أي التي تشترك في الحياة السياسية أقلية وعلى رأسها نخب. وبين النخب المأخوذة بالبحث عن الذات في المنصب والجاه والمال، والنخب المكافحة الملتصقة بآلام شعوبها في العمل البيئي والنقابي والاجتماعي والثقافي.

نتطلع إلى هؤلاء ليكونوا شبكة العبور بمجتمعاتنا إلى عقل الدولة المدنية التي تتسع لحرية الرأي لكنها لا تتسع للإرهاب والتطرف والتي يشكل معيار ممارستها للاستقلال الوطني اي تحررها من اللهاث وراء الغرب ونفط الخليج مهر صدق التزامها بخطط التنمية والبناء والامن والاستقرار.

وهل يمكن لدولة أن تكون مستقلة في عالمنا العربي وتنسى فلسطين، ان كل مناضل في بلد من بلاد العرب يسعى إلى دولة الاستقلال الوطني سيجد نفسه حُكماً في خندق المقاومة، كما سيجد نفسه في خندق شعبه.

إلى أي مدى يصحّ تشبيه الدكتور قنديل بجورج غالوي العرب، أم نراك أقرب إلى ڤرامشي؟

مادح نفسه كذّاب، لأن الشخصيتين موضع احترام وتقدير وآمل ان نوفق دائماً في تجسيد الروح الكفاحية والقدرة التعبوية التي يمتكلهما الصديق جورج غالوي. وأن يبقى عقل المفكر حاضراً يشتغل بقوة البحث عن المثقف العضوي الذي أضاء عليه الفيلسوف ڤرامشي.

وإن سألتني عن رغبتي فتسكنني أحلام لها عنوان واحد، إنصاف أبطال المقاومة الذين لا تقلّ قاماتهم عن غالوي وڤرامشي معاً، من محمد علي الحامي إلى عماد مغنية.

كيف تقوّم التجربة التونسية التي لم تدخل النفق الليبي ولم تقتفِ الأثر المصري؟

هذه مناسبة لأعطي شهادة أمل أن يتمعن فيها الاخوة في تونس بمختلف تياراتهم لأقول إن بوصلة التأمين الذهبية لتونس والتي جنّبتها الخيارات المرة التي عرفها غيرها، وهذه البوصلة اسمها «الاتحاد العام التونسي للشغل»، هذا الهرم الاجتماعي المنتشر على مساحة تونس، والذي تخرجت منه أجيال من المناضلين والمثقفين يصعب بيعهم وشراؤهم، ويشكلون الضمير الجمعي للقضية الوطنية التونسية وللقضية العربية في زمن المِحن.

تأتي استضافتك من قبل «الاتحاد الجهوي للشغل» في بن عروس بعد قدوم المناضلة ليلى خالد، أين تلتقي المعاني وأين تفترق المقاصد؟

مع المناضلة ليلى الصديقة الغالية لقاء لا فراق بعده.

ما الذي يمكن أن تعلّق به على بناء «مدرسة حشاد» في قلب «جِنين» من قبل «الاتحاد العام التونسي للشغل»؟

بأن أدعو الاتحاد إلى إعادة التوثيق للمتطوّعين الأوائل الذين خاضوا المقاومة في فلسطين من أبناء تونس الخضراء، وكان لي شرف زيارة أضرحة بعضهم، لتعرف الشعوب العربية المكانة التأسيسية لفلسطين في ثقافة السياسة لدى النخب والشعب في تونس والاتحاد في قلبها طبعاً. فحسناً فعل بهذا الإحياء لـ«حشاد» ومن جنين، وحسناً نفعل معاً بإضاءة سيرة المجاهدين المتطوّعين الاوائل.

استقرار مصر، هل يشكل حديقة خلفية لحياة جديدة في سورية؟

كان هذا الأمل بعد ثورة 30 حزيران ورحيل الاخوان، لكن للأسف تبدو مصر في حالة المستجير من الرمضاء بالنار. فمن تحت الدلف القطري إلى تحت المزراب السعودي. بينما كل الشرفاء يرون مصر بذاتها عنواناً كافياً لقيادة العرب، ويؤلمهم الشعور بأنها تُقاد بدل أن تقود. وربما يكون الامل قد صار بأن تنتصر سورية كي تتحرّر مصر وتستقوي على قيودها.

بعد مرور زهاء أربع سنوات على ما يسمى بالربيع العربي، هل تعتقد أن العقل العربي ما زال بحاجة إلى مراجعات حتى يرتفع منسوب فاعليته؟

للأسف الشديد نتحدث عن عقل عربي، نحن منذ تجربة عبد الناصر لا مشروع عربيّاً لدينا، وأريد أن أكون أشدّ صراحة فأقول إن العقل العربي قد سقط في الحقبة السعودية منذ هزيمة 1967. فصار الشعر والنثر والسياسة والصحافة سلعاً في سوق عكاظ بلا بوصلة وبلا قضية، وما وقعنا فيه يعبّر عن أزمة عميقة هي أزمة العقل العربي الذي استسهل لعبة الوصول الذاتي على حساب الوظيفة الاصلية للعقل، وهي النقد ثم النقد وصولاً إلى إعلاء شأن الإنسان، عسى أن تكون رياح الخماسين الصحراوية التي سمّيت ربيعاً كافية كي تُسقط الاقنعة عن الذين سقطوا، وأن توقظ الذين ضاعوا في السبات، وأن تنجلي عن وضوح الذين ثبتوا وما يدّلوا تبديلاً.

 

2015-08-14 10:35:31
عدد القراءت (14359)