جريدة البناء “الحرب العادلة”… في أوكرانيا د. جمال زهران*

المتابع للأزمة الأوكرانيّة، يلاحظ أنه منذ تفجّرها عام 2014، من جانب أميركا وتابعتها أوروبا، أنها تستهدف محاصرة روسيا، وإجبارها على التقوقع داخل حدودها، وتهديد أمنها القومي في القلب، بعد أن تجرّأت روسيا في عهد بوتين على الخروج من حدودها، والتمركز في سورية لحمايتها من الغرب وتفادي سقوطها وتفكيكها مثلما حدث في العراق بعد غزو أميركا لها عام 2003، مع إصرار الغرب على عودة روسيا العظمى لممارسة الدور العالميّ مثلما كان يمارسه الاتحاد السوفياتي من قبل. فضلاً عن أنّ أميركا تصرّ على الانفراد بالنظام العالمي، والسيطرة بل والهيمنة عليه بدون شريك أو منافس.

ومع انتصار سورية، وتجنّب سيناريو إسقاط النظام والتفكيك، وذلك بدعم روسي مباشر، تأكد أنّ روسيا لم تخرج إلى سورية، لتعود إلى داخل حدودها مرة أخرى. ولذلك فقد بادرت روسيا إلى إعلان المواجهة مع أميركا وتابعتها أوروبا، على الأرض الأوكرانية التي كانت ساحة لإثبات إعادة هيكلة النظام الدولي والخروج من عباءة الانفراد والهيمنة الأميركية، وقرّر بوتين ضمّ جزيرة القرم لروسيا، والتهديد بضمّ أوكرانيا كاملة إذا لم يرتدع الغرب عن تهديدات الأمن القومي الروسي. وبدأت منذ ذلك الوقت ما يمكن تسميته الأزمة الأوكرانية.

ثم بدأت المناوشات بين روسيا وأميركا، على الأرض الأوروبية حالياً (أوكرانيا)، والسوفياتية سابقاً عبر ثمانية أعوام (2014-2022)، وتضمّنت العقوبات الخفيفة من جانب أميركا وأوروبا ضدّ روسيا، وأيضاً. وخلال ثماني سنوات، كان الصراع يتمّ على نار هادئة، والتسخين التدريجيّ، حتى تفجّر مؤخراً في 24 شباط/ فبراير 2022، بقرار روسيا بالتدخل العسكري في أوكرانيا، ليقف العالم على أقدامه، حول مصير هذا الحدث وتداعياته؟!

ولكن السؤال الهامّ المطلوب طرحه، لتتكشف الأمور أمام الرأي العام العالميّ، هو: هل هذه هي “الحرب العادلة”، التي تخوضها روسيا في أوكرانيا؟ أم لا؟

للإجابة على هذا السؤال، من الواجب الإشارة إلى تعريف الحرب العادلة، والحرب العدوانية الهجومية. ففي أدبيات العلاقات الدولية والقانون الدولي، تعرّف الحرب العادلة، بأنها الحرب التي تقوم بها دولة ما، ضدّ دولة ما، سعياً نحو استرداد حقوقها أو حماية أمنها القوميّ في مواجهة التهديدات الحقيقية وليست الافتراضية. وقد تضمّنت نظرية الحرب العادلة، في ضوء نظريات الحروب أو النظرية العامة للحروب، أشكالاً عديدة، من أهمّها: “الحق في شن الحرب”، و “السلوك السليم والأخلاقي في الحرب”، فضلاً عن “أخلاقيات التسوية وإعادة الإعمار بعد الحرب”.

وتقوم المعاهد العسكرية في أنحاء العالم، بتدريس نظريات الحرب، ومن بينها الحرب العادلة وأهدافها وإدارتها، وما بعد إنجاز أهدافها.

وقد استخدمتها الولايات المتحدة كقوة عظمى وبلا منافس عام 2003، بعد أن تفكك الاتحاد السوفياتي، ضد العراق، للتخلص من السلاح النووي، وأسلحة الدمار الشامل، وقد كانت حرباً استعمارية تهدف إلى ضرب القدرات العسكرية وإسقاط نظام معاد لأميركا، حماية للكيان الصهيوني! والنماذج كثيرة في إساءة استغلال هذه النظريات، لتبرير الحروب ومنها الحرب على أفغانستان عام 2001 واستمرت 20 سنة، بهدف مواجهة الإرهاب، والحرب الأميركية في العراق وسورية، بحجة مجابهة الإرهاب، وغيرها من الحروب الاستعمارية التي استهدفت التفكيك ونهب موارد هذه البلدان الغنية، والسيطرة على مواقع استراتيجية بهدف تحسين الانتشار العسكري في العالم لإحكام السيطرة والهيمنة.

ومن نماذج الحرب العادلة الحقيقية، ما قامت به مصر وسورية في أكتوبر/ تشرين الأول 1973 من شنّ حرب عادلة لتحرير الأرض المحتلة في عام 1967.

وبالنظر إلى حالة التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، فإنها تقع ضمن نظرية “الحرب العادلة”، بشكل واضح. فقد كانت هناك تهديدات حقيقية للأمن القومي الروسي، وإصرار أميركي أوروبي، على إعاقة عودة روسيا لممارسة دورها العالمي، عبر تهديد أمنها القومي. وقد تجسّد ذلك من جانب أميركا، في تشجيع أوكرانيا بعد أن تمّ تنصيب رئيس تابع لها، على الانضمام لحلف الناتو، الأمر الذي يترتب عليه وصول الناتو إلى الحدود الروسية مباشرة وتهديد القلب الروسي مباشرة، فضلاً عن ضمّ أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبيّ، في إطار التوسع شرقاً للناتو والاتحاد الأوروبي. وقد تعارض ذلك مع المصلحة المباشرة لروسيا، التي أعلنت ضمّ جزيرة القرم عام 2014، إثر اندلاع الأزمة، بهدف إنذار أميركا وأوروبا لتفادي التصعيد. إلا أنّ أميركا لم تلتفت إلى تلك الرسالة، وواصلت استراتيجيتها في اتخاذ الإجراءات لضمّ أوكرانيا للناتو والاتحاد الأوروبي، في إصرار رهيب، على إجبار روسيا، داخل حدودها، وتهديدها الدائم عبر الناتو من خلال الأراضي الأوكرانية الملاصقة لحدود روسيا!!

وكان ردّ الفعل الروسي، هو القرار الحاسم بالتدخل العسكري في أوكرانيا، معلنة شنّ حرب عادلة، لتفادي وصول الحريق إلى قلب العاصمة (موسكو). ولم تكتف روسيا بالتدخل العسكري المباشر لحماية أمنها القومي فقط، بل التزمت بالقواعد الأخلاقية بالتركيز على المواقع والمؤسسات العسكرية، وتفادي المؤسسات المدنية، والمدنيين. ولعلّ المتابع للتفاصيل، بعيداً عن التهويلات العمدية للإعلام الأميركي والغربي عموماً، يلاحظ تبنّي روسيا لاستراتيجية النفس الطويل في التدخل العسكري، وكذلك محدودية أعداد المدنيين (قتل وإصابة). وهو ما لم يطبق على الغزو والعدوان الأميركي على العراق، مثلاً، حيث لم تميّز القوات الأميركية بين ما هو مدني وما هو عسكري، وراح ضحية هذه الحرب العدوانية عام 2003، أكثر من مليوني مواطن عراقي مدني!!

إذن، فإنّ الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا، هي حرب عادلة، حماية للأمن القومي الروسي، وبمراعاة القواعد الأخلاقية في ممارسة هذه الحرب. تلك هي مقدّمة للحديث في هذا النطاق.

2022-04-19
عدد القراءت (230)