مشاركات روسيا امام خيارين بقلم :ناصر حماد

*روسيا أمام خيارين*

بقلم: ناصر حماد 
كاتب فلسطيني 

يبدو أن الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا ستدخل التاريخ كحدث مهم ومفصلي في العلاقات الدولية ويلقي بظلاله على قضايا أخرى في أرجاء العالم. لا سيما نرى اليوم المحاولات الأوروبية والدولية تعمل على احتواء هذه الحرب التي أصبحت تنذر بخطر يهدد العالم. حيث يرى الكثير من الخبراء الاستراتيجيين ومراكز البحث العلمي أن الحرب لم تبدأ بعد، وأن الحرب تحمل صفة الموضوعية من الناحية الدولية، فيما يرى أخرون أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا قد بدأت بالفعل. 

لكن هنا يمكن القول بأن أي حرب تحتاج إلى مقدمات كثيرة لاستنفاذ الأصول السياسية من الدبلوماسية والإعلام والثقافة وغيرها. فمع استنفاذ كافة الطرق المعروفة بين الدول، عملت الوساطات الدولية على تجنب الحرب إلى حدِ ما، إلا أن دخول الجيش الروسي ووصوله إلى قلب أوكرانيا والتي تبلغ مساحتها ٦٠٣ كيلو مترا قد أعطى ملامح جديدة لواقع العالم والحسابات الدولية وبشكل خاص فيما يتعلق بوجود أمريكا وحلفاؤها كعامل مهيمن على العالم.

المهم هنا، أن دولة أوكرانيا تعتبر عمق أمني واستراتيجي لروسيا وأوروبا، وأن السيطرة على أوكرانيا مهمة استراتيجية بالنسبة لروسيا، كما لن تسمح لأحد بتهديد أمنها القومي الذي ترسم من خلاله طبيعة النظام العالمي التي تسعى روسيا لقيادته من جديد، في ظل الهيمنة الأمريكية والغرب من جانب أخر.

لا يخفى على أحد بأن الواقع الروسي على المحك، وأن ما يحدث أمر مفصلي أمام حالة الاشتباك المستمرة بين روسيا والولايات المتحدة التي تسعى من خلال أدواتها في المنطقة على فرض سياساتها الاستعمارية بأساليب متنوعة، إلا أنه استطاعت روسيا وحلفاؤها على تفعيل عناصر القوة والضغط بحنكة غير مسبوقة أمام هذه الهجمة.
والمراقب للأحداث الجارية يجد أن الولايات المتحدة الأمريكية عبر أدواتها الأوربية تقوم على استخدام مصطلحات ممزوجة المعايير مثل "الغزو الروسي"، والتي استخدمتها في أحداث الشرق الأوسط عبر سنوات من خلال الماكينة الإعلامية الكبيرة المتوفرة لديها، الأمر الذي يهدد حالة الاستقرار الأمني والسياسي في العالم واثارة العنف من أجل ضمان بقاء مصالحها.

إن السياسة المتبعة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية باتت مكشوفة لدى الجميع، مما ساهم ذلك في منح روسيا الحق في الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية والتي تقوم بمهمة رئيسية عنوانها (حالة القطبية الواحدة)، في العالم، وهذا مؤشر يدل على أن دخول روسيا ضمن المعادلة العالمية من جديد يوقف الهيمنة الأمريكية، وهذا ما لا تريده أمريكا.

لذلك اعتدنا على الولايات المتحدة الأمريكية أن تبقى صامتة، وأن تتدخل في الربع الساعة الأخيرة ممثلةً دور المنصف أو الراعي لعملية السلام في العالم، لكن في هذه المرة يبدو أن الحسابات قد تغيرت أمام حضور روسيا المؤثر، وصاحبة التحالف القوي. وهذا يأتي في اطار حفظ صورتها وضمان سيطرتها على العالم مثل ما حدث بالحرب العلميتين الاولى والثانية لحصاد الانتصار الدبلوماسي السياسي، لا العسكري لأنها لم تزج نفسها في هذا المعترك حتى اللحظة بصورة مباشرة.

كما أن هذه الحرب لو حدثت، ستكون مختلفة من حيث المكان والمضمون والمصالح، لأن السلاح النووي هو (الحكم) في هذه الحرب التي لم تتضح معالمها بعد، وما تخشاه أمريكا في معادلتها الدولية. إن الحصار الاقتصادي على روسيا واستنفاذ الولايات المتحدة وحلفاءها كل الخيارات الاقتصادية هو تعبير مكثف عن المشهد المرتبك لدى الولايات المتحدة الأمريكية إزاء قرارات روسيا الحاسمة والتي تتصاعد تدريجيًا، فيما أن هناك دول غربية كانت تنأى بنفسها عن كل الأزمات الدولية تم ادخالها على خط الأزمة واتخذت مواقف معادية لروسيا مثل ما حدث في قضية الرياضة الدولية.

 

البعض يعتقد أن حالة الاصطفاف العالمي ستجعل روسيا تتراجع عن خطوتها الجريئة، خاصة في ظل محاولة الاستنزاف العسكري والدعم المتواصل لأوكرانيا، لكن روسيا حطمت كل المعادلات المفروضة عليها في سبيل الدفاع عن امنها القومي. كما أن التقدم الجدي لروسيا في جعل هذا العالم متعدد الاقطاب يُحسب لها، وأن التحالف العالمي لروسيا أوصل الرسالة من خلال التهديدات الصادرة من الصين، أو الإعلان الضمني من كوريا الشمالية لدعم روسيا، إضافة إلى تهديد عبور السفن الحربية الأمريكية عبر مضيق تايوان، ورسائل أخرى ستكشف قريبًا.

2022-03-03
عدد القراءت (431)