مشاركات احذروا هذا الرجل!!

ناظم عيد – الخبير السوري:
تعددت تصنيفات الرجال وفقاً لمواقفهم وصفاتهم في التاريخ والأدب والدراما .. فبالألوان سمعنا عن الرجل الأخضر في الإنتاج السينمائي الهوليودي، والرجل الأصفر الذي داوم على الظهور في شوارع مدينة حلب العام الماضي ” لباسه أصفر من البابوج للطربوش” ..ومن المعادن كان الرجل الحديدي مثار جذب لاهتمام أجيال من متابعي أفلام الكرتون، ومن عالم الحشرات عرفنا الرجل العنكبوت ” سبايدرمان”..أما من النباتات فلم نسمع إلا عن “الرجل الباذنجاني” .
هذا الأخير هو الأنموذج الخطير من الرجال أينما حل ورحل، والأخطر أنه ظاهرة تستنسخ نفسها في متوالية سريعة، أسرع من سلسلة الجائحات التي أرقت العالم مؤخراً، أي ليس مجرد كيان فيزيائي لرجل بحد ذاته يمكن تفاديه أو “مكافحته”.
الرجل الباذنجاني صفة منسوبة – أول ما نُسبت- لخادم أحد الأمراء في جبل لبنان، أطنب في الحديث عن فوائد الباذنجان بمجرد أن لمس رغبة لدى الأمير بوجبة من الثمرة السوداء المنسوبة إلى الخضار، ثم عاد وبالغ في سرد سلسلة طويلة من الأضرار الكارثية للباذنجان بعد أن أبلغه الأمير أن مثل هذه الوجبة قد تسبب له عثر الهضم..
نال الخادم عقوبة وتوبيخاً على تضليله لذائقة الأمير، لكن الظاهرة بقيت تتوالى استنساخا، وتنتعش غالباً في البيئات الرخوة الموصومة بالاحتكام لمزاجيات العامل البشري، أكثر من الاحتكام والالتزام بنسق أدبيات وتقاليد تفكير وعمل متماهية مع بيئة التشريع والقانون.
وإن كان لحكومات الغرب المتقدم نصيبها من الرجال الباذنجانيين، فلحكومات هذا الشرق نصيب أكبر بكثير، وهذا ليس لأسباب جينية وخواص ذهنية، بل هي البيئات الرخوة التي ذكرناها والقوام الرجراج للمؤسسات ومنظومات العمل، بما أنها تخضع بعمق لمزاجية وخواص المدير، ولطيف ” الرجال الباذنجانيين” المتوفرين بكثرة حول معظم القائمين على مقصورات الإدارة في المؤسسات العامة ولا نستثني الخاصّة أيضاً .
لو تفحصنا المشهد بتفاصيله على المستوى التنفيذي فيما يخص حالتنا نحن..لوجدنا أن الرجال الباذنجانيين يشكلون كارثة حقيقية، وعلى الأرجح هم أكبر سبب لإخفاق المؤسسات الحكومية وربما الخاصة أيضاً، وأغلبهم من صنف مدير مديرية أو رئيس دائرة، يلتصقون برؤسائهم ويحاصرونهم بضروب المديح و”التلميع”.
لون ربطة العنق التي يلبسها المدير هي الأجمل، وذوقه في اختيار ملابسه يستحق الثناء دوماً، حتى لو كانت هيئته مادة جاذبة للغمز والسخرية – تهامساً – بين مجموعة الثناء ذاتها ..أي “سلة الباذنجان” .
ثم إن أبدى المدير امتعاضه من موقف أو شخص أو حتى قرار ..تحول الخصم إلى شيطان رجيم بما أن لا حضور للملائكة بين بني البشر، فالباذنجانيون حاذقون في تعبئة الصدور والعقول وتفخيخها لتنفجر حيث تلزم مصالحهم.
الآن نصل إلى السؤال الأهم: وهو من سبب هذه “الكارثة”المقيمة بيننا وتكاد تجهز على مكنة العمل الحكومي..هل هم أفراد سلال الباذنجان، أم المديرون ذاتهم وولعهم الفطري بالباذنجان..بما أن بعضهم موهوب باذنجانياً في تعاطيه مع من هم أعلى مرتبة في هيكلية القرار..؟؟
تجارب من جربوا تؤكد أن المشكلة في المدير أو المسؤول، ممن ينتشون أمام الإطراء والمديح، ويكرهون من يتحفظ حتى ولو على لون ربطة عنق أو رائحة بارفان المدير، خصوصاً إن كان “آمر صرف”.. والحالة تبدو نافرة لدى من أوصلتهم باذنجانيتهم إلى كرسي المسؤولية؟؟
الواقع أننا وصلنا إلى مآلٍ خطير في مناغاة نرجسية شاغلي المفاصل الإدارية في الهيكل التنفيذي، بما أن ” الكرسي غرّار” وينطوي على شيء ما سحري، يحيل المنصب إلى امتياز ويقوّض المسؤولية كاستحقاق لازم…وكرسي الامتياز يبغض من ” يهدي” الجالس عليه عيوبه، ويكره من يكثرون من الاقتراحات والرؤى الجديدة، ويكره أكثر من يتحفظون وجاهياً على قرار سيصدر، ولو كان من قبيل التصويب ودرء الانتقادات المتوقعة بعد أن يصدر.
إن بقيت الحال على هذا المنوال، سنكون أمام متوالية تقهقر وانحدار متسارعة، ونظن أن منتهى الكآبة أن نقرأ عن حلول مناسبة وناجعة كثيرة-مجانية- لمشكلات راهنة تعتري إدارة معظم القطاعات، فيما المعنيون بالإدارة يمضون في المسارات التي زينها لهم “الباذنجانيون”، و أبعدوا أصحاب الرأي السديد الذين يكرهون الباذنجان أصلاً كطبق على المائدة حتى في هذا الزمن الصعب.
سنختم بحكاية مسلية فيها الكثير من العبرة، سردها صديق أكاديمي قارب العمل التنفيذي لفترة قصيرة في أحد المواقع..وربما يكون سردها مناسباً في السيرة التي نحن بصددها..تقول الحكاية:
في وقت متأخر من الليل..أنهى عازف عود حفلة أحياها في أحد الأرياف البعيدة..واختار أن يختصر الطريق ويسلك طريق غابة حراجية كثيفة..في الطريق هاجمه ضبع ضخم مزمجراًن ولم يكن لدى العازف وسيلة ليدافع بها عن نفسه، فشرع يعزف على عوده لعله يلهي الضبع قليلاً..بالفعل صمت الضبع وجثا على مؤخرته وكأنه فعلاً أُطرب للعزف..بعد قليل جاء ضبع ثانٍ مزمجراً أكثر من الأول، فأعلى العازف صوت عوده أكثر و أكثر..أيضاً صمت الضبع الثاني وجثا إلى جانب الأول ليستمعا معاً مستغربين ردة فعل ” الفريسة الغريبة”…دقائق وجاء ضبع ثالث وانقض على العازف ممزقاً وجهه وحنجرته و أحاله إلى جثّة هامدة…نظر الضبع الأول لجاره الثاني وقال: منذ بداية الحفلة و أنا متوجس من أن يأتي الضبع الأطرش ليفسد علينا هذه السهرة الجميلة..نقطة انتهى

2022-01-24
عدد القراءت (2327)