مشاركات صناعة الإخفاق و إفلات الفُرص !!

ناظم عيد – الخبير السوري:
لا يبدو أن القدر قد وفّق وزارة “صناعتنا” الراهنة بالحفاظ على ملامح تلك القاطرة التنموية التي رست مزادات اجتهاد المجتهدين ما بعد الثورة الصناعية على أنها الصناعة،  فإن كانت الوزارة قد ورثت الهيكل القاطر، لكنها توثّق يومياً إخفاقاتها المتلاحقة بتحريكه أو إصلاحه.
والمريب فعلاً أن أصحاب القرار في هذه الوزارة يكابرون على الاعتراف، عندما وشى  العارفون بأن ثمة مشكلة في قمرة التحكم بالقطاع، لتغدو اليوم معقدة أكثر من الأمس، وعلى الأرجح ستكون غداً أعقد من اليوم، بسبب غياب المواجهة المنظمة و الفاعلة لإملاءات الظرف الصعب، الذي بات اسطوانة يسردها المعنيون هناك من حارس البوابة صعوداً إلى الطوابق العليا.
لكن بما أن الوقائع تحكي عن نفسها دوماً، خصوصاً في ميدان لا يكترث إلا للأفعال كميدان الصناعة.. لا يبدو من المهم كثيراً أن ننصت للمخرجات ” الكلامية” الراشحة عن ” المطبخ الصناعي”، الذي مازال القائمون عليه – رغم إخفاقاتهم- مصرون على أن ثمة قاطرة للتنمية في عهدتهم اسمها الصناعة، كما أوروبا القديمة والصين الجديدة، و كل بلدان هذا الشرق الناهض الذي يسابق الزمن على متن قاطراته الثقيلة.. أي لدى الوزارة قاطرتها ونقطة انتهى، وكأنها تقول لكل المعترضين والساخرين: اصمتوا فنحن خير أمة أخرجت للناس، حتى وإن كان ” لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح” ..
صناعتنا..قاطرة تنميتنا..بوابتنا الموعودة للنفاذ نحو المستقبل تدار بغرف أخفقت في تلقف وإدارة جرعات الدعم السخية التي خُصّت بها من الدولة وليس من مجرد الحكومة..وها هو الصدأ ينخر الحصّة الحكومية من القطاع ويأكلها، لتتهاوى ويضيع صدى انهيارها وسط ضجيج الاجتماعات والتصريحات والبوح الصاخب بنيات القفز قفزاً، والجماح نحو مضمار غير مسبوق كنتاج ” لخطط التحديث والتطوير ” المكدسة على الطاولات في أروقة ذلك المبنى العملاق وسط العاصمة..وهو نقطة العلاّم والاسترشاد للعابرين، ولعلّها أكثر ما يقدمه لهذا البلد.
لهذه الوزارة اليوم ثقلها الجاسم على صدور المسكونين بهواجس اقتصادية وطنية..هيكل عملاق تصدعت مفاصله ..مفصلا مفصل..لكنه باق كعجوز ينتظر لحظة الموت الرحيم، ويتحفظ الجميع،احتراماً، على التبرّم به أو الانتقاص منه بما أن مقولة “ارحموا عزيز قوم ذل” تملي الصمت في لحظات وجدانية كهذه…لكن هل للوجدانيات ترجمة في قواميس العمل التنفيذي وإستراتيجيات الحكومات؟؟
يتبع لوزارة الصناعة في سورية ثماني مؤسسات كبرى، “النسيجية..الغذائية..الهندسية..الكيميائية..السكر..التبغ..حلج وتسويق الأقطان..والإسمنت” وتتفرع عن المؤسسات الغذائية والهندسية والكيميائية والنسيجية..ما يقارب ١٥٠ شركة ومعمل بهياكل إدارية كاملة متكاملة..معظمها معطلة بسبب هشاشة وضعف إمكانات القائمين عليها- لا نريد أن ننساق وراء مقولات تشير إلى الفساد-  وتشكل معظم مؤسسات الصناعة السورية، وشركاتها أخطر وأعقد المشكلات التي تعتري القرار الاقتصادي الإستراتيجي في هذا البلد..رغم ذلك لا يتردد مسؤولو الوزارة بالظهور الإعلامي مبتسمين وهم يقطعون الوعود لمن يسأل..والوعيد لمن لا يعمل، سيما وأنهم حفظة شعارات طنانة وقوالب خطاب يصلح لأي زمان ومكان..
المؤسسة النسيجية بشركاتها وآلاف عمالها شبه متوقفة اليوم “وهذه كارثة اقتصادية بكل معنى الكلمة”…والمؤسسة الغذائية بأكثر من ٢٠ شركة أيضا شبه متوقفة ..أي لم يعد الحديث عن أرباح وخسائر، بل كوارث أحالت طوابير من العمال عبئا على أنفسهم وعلى الدولة والذنب ليس ذنبهم أبداً..وكذلك شركات الهندسية والكيماوية.. أما في مؤسسة السكر فالحكاية مريرة مرارة العلقم.. ليغدو السؤال الملح ..ماذا تفعل الوزارة..وزارة “قاطرة التنمية”؟؟
الظرف قاهر.. لا بأس ..لكن ماذا فعلت الوزارة إذاً في سياق ما هو مفترض استثنائياً لاستدراك آثار الظرف القاهر هذا؟
لا نريد أن نسأل عن الشركات والإنتاج والعمال..فالحصار والحرب والاستهداف إجابات جاهزة أخذ الجميع علما بها..لكن ماذا فعلت وزارة الصناعة لإدارة الواقع الجديد ..إدارة المشكلات..؟
نحن سنجيب…نأت بنفسها بعيداً عن أي سجالات وتنازع مصالح بين كبار الصناعيين، و اكتفى المعنيون فيها بمراقبة المجريات ومتابعة الأخبار التي ينقلها الوشاة وممتهني بيع المعطيات..ونأت بنفسها أيضاً عن أي سجال بين الصناعيين وأي من وزارات الحكومة… ولم نسمع لها حساً في أي من الهبات الإعلامية التي يفتعلها اللاعبون في القطاع…
لم تتبنَ الوزارة مجرد توضيح دواعي حتى القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء أو إحدى لجانه الدائمة بناء على مصلحة القطاع الصناعي ..رغم أن القرارات المتعلقة بالشأن الصناعي تُتخذ  بناء على معطيات دفعت بها كوزارة صاحبة اختصاص..وعندما يحتدم الموقف يظهر مسؤولو الوزارة وهم منهمكون باجتماع تحت عنوان فانتازي..من قبيل “سبل الارتقاء بصناعة السينما.. أو بحث مشكلات تصنيع الأدوات المنزلية..أو لقاء مصنعي الجلود والحقائب”…؟١
مشكلتنا الكبرى في الصناعة كأهم قطاع اقتصادي يحتضن أطنان الطموحات والأحلام، مشكلة إدارة وتنظيم وضبط وإشراف حازم وحاسم واحترافي، وليست مشكلة إمكانات، فالدولة -الدولة وليس الحكومة وحسب- وفرت الإمكانات والدعم والاهتمام اللامحدود، وهذه مسؤولية وزارة  لم يعد لها من مهمة إلا توثيق ملامح الانهيار المتوالية..وهي مهمة لا نظنها تحتاج إلى وزارة .
الواقع مرير فعلاً…بما أن التقاطنا المهووس للموضة والصرعات العابرة للحدود، لم يقتصر على الأزياء التي ملأت شوارع هذا البلد با ” الكاراكوزات” ولا على الأطعمة التي أكثرت ممن يحفرون قبورهم بأسنانهم بيننا..بل استشرى الهوس وتغلغل في العمق التنفيذي بأبعاد لم تعد مجرد طفرات استعراض لعابرين على مقصورات الإدارة، ممن تتحول طروحاتهم الفانتازية  عادة إلى “نوادر” يلهو بها  المطلعون عليها بالغمز واللمز همسا..لأن مقتضيات رصانة المسؤول تمنعه عادة من التهكم بزميل من ذات الطراز والوزن .
هامش: ننتظر بيان من وزارة الصناعة توضح فيه عدد الشركات الرابحة في قوام شركاتها التي تزيد عن 150 شركة بل وتقارب الـ 200 شركة…بل لتوضح كم شركة ما زالت تعمل من هذه الشركات..
هامش2: ماذا فعلت الوزارة من أجل عودة الصناعيين المهاجرين..بما أن المهمة مهمتها وليست مهمة وزارة الثقافة مثلاً؟؟
هامش3: ماذا فعلت وزارة الصناعة لنشر مشروعات التصنيع الزراعي ..وماذا حضرت من مساهمات لتعزيز هذا القطاع ذي الخصوصية الكبيرة في سورية.

2022-01-16
عدد القراءت (551)