جريدة البناء فرنسا… ترسيم الحدود السياسية من واشنطن! بقلم فاديا مطر

فاديا مطر
لعلّ أبرز ما حملته زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى السعودية كان الشوط الذي تلعبه باريس كعراب موصوف لما يسمّى «صفقة أبراهام»، وهو اللاعب الأوروبي الذي يستطيع حمل الحقيبة الخفية في توطين العلاقات «الإسرائيلية» مع بعض دول الإقليم، كما لعب سابقاً ذات الدور في ضبط إيقاع المغرّدين خارج السرب الصهيو ـ أميركي، حيث شابت العلاقة الأميركية السعودية في عهد تولي الحزب الديمقراطي الأميركي شوائب أوضحت عمقها حقبة خليفتها من الإدارة الجمهورية المتطرفة، وأوضحت فوارقها العلاقة الأوروبية مع الرياض في قضية الصحافي جمال خاشقجي في تركيا، حيث بدأت السعودية في عهد الرئيس ترامب حقبة كانت منجزاتها أبلغ ما يمكن وصفها «شراكة استراتيجية»، لكن واشنطن بعودتها لتولي الديمقراطيين دفة الإدارة قد بدأت بما يشبه عملية ترسيم للعلاقات السياسية والعسكرية تجاه الرياض، وهو ما جعل التعاطي السياسي الأميركي مع الرياض يتسق مع التعاطي العسكري، فلا تواصل رسمياً مع الرياض حتى الآن برغم زيارة الوزير أنتوني بلينكن الخجولة الخليجية، ولا تواصل معلناً حتى اليوم مع جملة الطاعة السعودية حتى في خضمّ الحرب على اليمن والعلاقة مع طهران، ولا اهتمام أميركياً بالقلق السعودي الممزوج بمفاوضات فيينا النووية، برغم الفشل التفاوضي ما بين الرياض وطهران، وهنا تلعب فرنسا دور كولن باول في إيصال الشروط الأميركية وبباطنها الشروط «الإسرائيلية» التي نجحت نهايتها مع الرباط بحسب ما ذكرته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية في عددها في الأول من كانون الأول الحالي بأنّ «العلاقات الإسرائيلية الفرنسية طوت صفحة الخلافات بعد تطبيعها مع المغرب، وهي تسعى لكسب الشريك الفرنسي في العديد من ملفات شمال أفريقيا والشرق الأوسط بحكم العلاقة الفرنسية مع المغرب في المجال العسكري والاستخباري والاقتصادية والتي ترغب تل أبيب في الاستفادة منها».

وكانت فرنسا قد لعبت دوراً أساسياً في صفقة الطائرات «الإسرائيلية» الانتحارية بدون طيار للمغرب من نوع «هاروب» بقيمة ٢٢ مليون دولار بحسب ما صرحت به صحيفة «هآرتس الإسرائيلية» في مطلع هذا الشهر، وبرغم الخلافات التي نشأت بين باريس وتل أبيب في قضية شركة بيغاسوس «الإسرائيلية» فإنّ باريس تلعب لعبة صلة الوصل وصندوق البريد الأميركي مع العديد من دول المنطقة، وربما تحمل ذات الدور تجاه تل أبيب التي تحاول التي تحاول بكلّ ثقلها الإطاحة بالدور الأميركي في مفاوضات فيينا مع إيران والتلويح بالخط العسكري كبديل عن فشل المفاوضات، برغم أنّ إدارة بايدن لم تكشف عمق الخلافات الباطنية مع تل أبيب كما كشفته المصادر «الإسرائيلية» تجاه ما تعمل عليه واشنطن في سياق التفاوض النووي وخصوصاً إذا ما تمّ رفع العقوبات عن طهران واستعادة الأموال المجمدة لطهران ورفع العقوبات الاقتصادية، لكن الخيط الفرنسي ذاته تربط به واشنطن أكثر من حلقة ترابط وتشبيك خصوصاً التعاون مع الفرنسيين في القارة الأفريقية، كما تحاول واشنطن ربط الخيط بتوترات أوكرانيا مع روسيا الاتحادية وهي التي سبق لها الربط مع باريس في أفغانستان قبل انهيار معسكراتها هناك، فبقاء الرابط الفرنسي مع السعودية ترى فيه واشنطن موصل رسائل مهمّاً لجهة التواصل الغير مباشر بين الرياض وتل أبيب، وبذات الوقت لم تبتعد سابقاتها من الإمارات وتركيا عن ذات الربط، فأيّ مسار تحمل زيارة ماكرون وأي شروط تقرأها الرياض؟ وهل إعلان التطبيع السعودي مع الكيان الصهيوني سيكون أول شروط بايدن لمنع سحب القطع العسكرية الاستراتيجية من الرياض؟ وكيف ستكون ردود ابن سلمان على أيّ عرض أميركي بقلم باريس بعد التعطيش الأميركي؟

فالرئيس ماكرون لا يزال يدور بالحقيقة الخفية ما بين عواصم «أبراهام» لإتمام الحلقة التي بدأتها فرنسا بدفتر شروط أميركي ولم تنته بعد بفضّ العروض العلنية، وربما الإعلان عن همس معلن ما بين الرياض وتل أبيب بدأت أولى حروفه من باريس القادمة من واشنطن وحتى على وقع احتمال خسارة النظام الفرنسي الحالي للانتخابات الرئاسية في نيسان/ ابريل عام ٢٠٢٢ والتي تعمل المعارضة اليمينية المتطرفة على وضع ثقلها فيها بما تسمّيه استعادة فرنسا «الجديدة»، فربما تلعب الأطراف المتطرفة في حال حكمها دوراً يكون مصقولاً أكثر في لعبة باريس المقبلة من واشنطن حول العالم.

2021-12-08
عدد القراءت (2020)