جريدة البناء خاطرة اللقاء أول العام بقلم ناصر قنديل

عندما أراك أتبحر في ملامحك وأدقق حتى تضيع مني الصورة فلا أعود أراك

عندها أكون قد رأيتك مرتين واقول ها انا أراك الآن

فإن أحسست اني لا أراك ثق أني أراك أكثر

التائهون هم الأشد عقلاً والثابتون والواثقون هم الأغبياء

لا تدفعني لتفسير كلامي لتسمع ما تحب فعذاب البحث عن المعنى هو المتعة التي أريد منك أن تجرّبها

***

إذا ساورك الشك فأنت الأشد إيماناً لأن الذين يعيشون اليقين يعتبرون الله حقيقة سهلة فيضعون من مكانته بدلاً من ان يرفعوها

الشك اعتراف بالعظمة تذكّر ذلك عندما تساورني الشكوك

لا أرى الشك طريقاً لليقين كما يقول الفلاسفة بل هو هدف بذاته لأنه هو الفلسفة

دعني أعِش الشك وأتُه عن الحقائق فهل أجمل من عصفور طليق يغرّد في البرية

اذا التقى عصفور بزهرة وشمّ رحيقها فتلك لحظة حقيقة، لكن كم يدوم التصاق العصفور بالزهرة قبل تيه جديد؟

الشك والتيه يحركان الكون والحقائق واليقين لحظات عابرة يتمسك بها المغفلون

لا أريد أن أكون مغفلاً فاخترت الشك والتيه طريقاً وهل من متعة أجمل من عذاب البحث الدائم؟

الله وحده يفهمني ولذلك لا يغضب أما مريدوه فغاضبون لأنهم يريدون تقاسم غنائم الإيمان سريعاً

لو أراد الله تشييد مملكة للمؤمنين وترسيم حدودها لفعل، لكنه أرادنا في برية يختبئ الواثقون بتعدد أنواعهم في كهوف من كهوفها ويحلق التائهون في فضائها وبين زهورها وبهائها وتعدّد ألوانها ويشعرون بالله في كل ثناياها

إذا لم تكن تريد مني التحليق بعيداً فلماذا منحتني جناحين؟

عندما قلت لي كلاماً جميلاً أردت ان أصفق فلم اجد الا جناحي للتصفيق وإذ بي أحلق بعيداً فظننت أني غاضب

لكنني لما عدت وجدتك أعددتَ لي قفصاً فغضبت أنا وحلقت بإرادتي هذه المرة

الذين ينظرون فقط لجمال الألوان في جناحي ينسون أن وظيفتها منحي متعة التحليق بعيداً

***

الكلمات هي الله وهي الإنسان وهي جناح الطير وحبر الشعراء وجوهر العشق

عندما نطير بالكلمات نطير بين الكلمات وبحثاً عن الكلمات ونعشق الكلمات ونتغزل بجمالها… ألا تشبه الكلمات الله في ذلك؟

اختار الله الكلمات وجهاً لحضوره لان لديه جمالاً لو كشف عنه لفقدنا قدرة التمتع بالبحث عن الجمال، ولكانت حياة الكون يوماً واحداً او ساعة واحدة او نبضة واحدة تنتهي بالسجود

لكنه اختار الكلمات لأنها الأجمل مما بعد جماله ودونه فلا جمال يضاهيها ليُرينا وجهه. فهي اجمل ما خلق واصطفاه وجعله معشوقاً يوازي مرتبة عشقه لأن الكلمات طريقنا الوحيد اليه

الذين يريدون للكلمات أن تتجمد هم الذين يجهلون الله لأنهم لا ينتبهون ان الحياة التي تنبض بين البشر لها روح دون مستوى روح الكلمات

إنها الكلمات عندما تبكي وتضحك وتفرح وتحزن فإن الروح هي التي تبكي وتضحك وتفرح وتحزن والذين تحرّك أرواحهم الكلمات وحدهم يعرفون قوتها الخرافية وجمالها الاسطوري فيستطيعون تحريك أرواح سواهم من خلالها

الله اشد العارفين بذلك فاختارها صلة وصل بينه وبين الأرواح التائهة

لذلك عندما قال الله كلاماً عن الذهب والملك فهو قال كلاماً اولاً وقال إنه يريد كلاماً والكلام لا يعني إلا الصدق، لأن الكلمات تقرأ بنبض المشاعر. وقال إنه يحتقر من يفضل الملك والذهب على الكلمات

عند البعض لا قيمة للكلمات فيلوكونها كالعلف. وهم بذلك كالبقر تمضغ أعلافها ولم لا فبعض التقاليد تلبس البقر ذهباً وتمجّد مكانته كبعض الملوك عندنا

إذا كانت الكلمات ما صنع قيمة لله فلم نستغرب أنها وحدها تصنع قيمة للبشر

العلماء والعباقرة والفلاسفة والثوار لا سلاح لديهم إلا الكلمات فلم يحتقر البعض الشعراء

الخطابة كالغناء فيها سحر الكلمات ونبض قولها أي كاشف درجة صدقها، ولذلك تسيطر على القلوب أما إن سيطرت على الأرواح فتغير وجه العالم

لهذا اختار محمد بلال مؤذناً

وكانت كلمة السر لإسقاط الملوك لا اله الا الله فإن كنتَ لا تبغي مرضاة سواه تحتقر الملوك وإن كنتَ لا تخشى غضب سواه تهزأ من قوتهم

ناصر قنديل

2021-01-08
عدد القراءت (880)