جريدة البناء في ذكرى «وعد بلفور» نهاية زمن الإجماع العربي…

في ذكرى «وعد بلفور» نهاية زمن الإجماع العربي…

} سعد الله الخليل

بالرغم من إسقاط السادات رسمياً للاءات قمة الخرطوم الاستثنائية عام 1967، والمتعلقة بالصراع العربي مع العدو «الإسرائيلي»، والمتمثلة بلا صلْح مع «إسرائيل» ولا تفاوض معها، ولا اعتراف بها، والتي ترافقت مع التمسك بحقّ الشعب الفلسطيني في وطنه، إلا أنّ قطار التطبيع العربي مع العدو الذي زاد حراكه في الأشهر المنصرمة، سحق ما تبقى من آمال بموقف بإمكانية الإجماع أو حتى الاجتماع العربي حول قضية العرب المحورية.

بمرور مئة وثلاثة أعوام على «وعد بلفور» المشؤوم يبدو واضحاً بأنّ ما رسمه آرثر جيمس بلفور في مخيّلته، تجاوز حدود الورقة التي أرسلها في الثاني من تشرين الثاني 1917 الى اللورد ليونيل والتر دي روتشيلد، والتي أشار فيها إلى تأييد حكومة بريطانيا لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ليدرك بأنّ حماية حدود «الوطن اليهودي»، لا يمكن أن تتحقق دون التمدّد الفكري والتغلغل في المحيط العربي قبل رسم الحدود الجغرافية، والتي تحققت خلال عقدين من الحرب الفعلية فبناء العمق الوجودي، والذي يُعتبر أصعب من معركة الحدود بدأت معالم نضوجه بالظهور.

أدراك العدو الإسرائيلي بأنّ لاءات العرب ليست سوى ردّ فعل وجرعة دواء لإحباط الشارع العربي عن هزيمة حزيران 1967، لتكون خطوة السادات التطبيعية واتفاق كامب ديفيد أولى الثغرات في جدار الإجماع العربي، تبعته الخطوات الاستسلامية وصولاً لصفقة القرن، والتي لم تحتمل العمل الفردي بل سارت باتجاه الإجماع العربي الجديد، بعد ان انضمّت دولتا الإمارات والبحرين لقائمة «التطبيع» التي تضمّ مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، فيما تنتظر السودان دورها، كما تتجه الإشارات نحو سلطنة عُمان والسعودية لتحذو حذو من سبقها، وبالنظر للعلاقات القطرية الحميمية مع العدو الإسرائيلي، تبقى الكويت وحيدة بين دول الخليج خارج المعادلة، كرافض للتجاوب مع إغراءات جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي انتقد الرفض الكويتي لخطوة البحرين والإمارات.

في المغرب العربي فإنّ الأعين الأميركية على المغرب خلال الفترة المقبلة، بالاعتماد على إمكانيات السياحة ووجود جالية يهودية كبيرة، ولفتت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية الى تهيئة الأرضية لتواصل أعمق لتطبيع العلاقات بعد التطبيع العسكري باقتناء المغرب أسلحة وتجهيزات عسكرية «إسرائيلية»، آخرها ثلاث طائرات بدون طيار. يُضاف إلى ذلك التطبيع الزراعي، حيث يعتمد المغرب على تجهيزات وبذور زراعية، وفي محاولة واضحة للضغط على المغرب يأتي افتتاح القنصلية الإماراتية في الصحراء الغربية وإنْ بدا اعترافاً بسيادة المغرب عليها، لكنها في الأصل محاولة لإقناع الرباط بأنّ الطريق إلى السيطرة على الصحراء الغربية يمرّ عبر تل أبيب، فيما تعود العلاقات بين «إسرائيل» وموريتانيا لعام 1999، لتصبح موريتانيا ثالث دولة عضو في الجامعة العربية تعترف بـ «إسرائيل» كدولة ذات سيادة، أما تونس تتخذ موقف التطبيع الناعم بعد فشل البرلمان مرتين في تمرير مشروع تجريم التطبيع بصرف النظر عن العلاقات الملتبسة والمشبوهة للعديد من القيادات مع عرابي صفقة القرن في مصر وليبيا.

يظهر الفشل الفلسطيني بإدانة التطبيع الإماراتي الإسرائيلي في الجامعة العربية الصورة الحقيقية للواقع المؤلم للقضية الأم للعرب، ويطرح بقاء الكويت وسورية ولبنان والجزائر والعراق وليبيا واليمن خارج معادلة التطبيع تساؤلات مشروعة عن قدرة هذه الدول على الصمود، خاصة أنها باستثناء الكويت تعيش حالة حروب طاحنة ومعارك استنزاف عسكرية واقتصادية عالية المخاطر.

انتهى زمن الإجماع العربي على قضية العداء لـ «إسرائيل»، وبات الإجماع الجديد على أحقية تصدّر قادة تل أبيب في المحافل العربية، وقد تضيق الخناق قريباً على أبناء الدول المعادية لها المتواجدين في دول الخليج وغيرها من الدول، وهو ما دفع الولايات المتحدة للإعلان عن طيّ صفحة المبادرة العربية للسلام والتي اقترحتها السعودية في قمة بيروت 2002، والتي لم تعد ضرورية في ظلّ تصاعد موجة التطبيع العربي فقد اعتبرت كيلي كرافت سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة بأنّ تجربة ترامب أدّت إلى السلام، ولم تعد هناك حاجة للمبادرة العربية لعام 2002، فـ «صفقة القرن» فتحت آفاقاً جديدة أمام الفلسطينيين.

حققت صفقة القرن بند التطبيع وأسقطت بند الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 1967، وشرط الدولة الفلسطينية، لذلك أعلنت واشنطن موت مبادرة السلام العربية رسمياً بعد موتها السريري منذ طرحها قبل ثمانية عشر عاماً، لتصبح مكاسب المطبّعين وعد بوقف الاستيطان في الضفة الغربية ولتذهب شعارات الدولة الفلسطينية في برية اليأس العربي.

 

2020-11-05
عدد القراءت (156)