مشاركات حتمية التحولات في العلاقات الدولية في عالم ما بعد الكورونا.. وكوفيد١٩ يغير وجهة القيادة العالمية ويرسم شكلا جديدا من العولمةـ د. حسناء نصر الحسين

شكل فايروس كورونا أزمة صحية غير مسبوقة في التاريخ السياسي الحديث ليضع دول العالم امام تحديات كبيرة لها تداعياتها على العلاقات الدولية التي حكمت معظم دول العالم .

فالعالم كان مستقرا بعلاقاته ضمن مجموعة اتفاقيات ومعاهدات حكمت تحالفاته وتكتلاته،وأرسى من خلالها آلية العمل للسياسة الخارجية لكل محور لتكون الولايات المتحدة سيدة الهيمنة والديكتاتورية التي تحكم دول العالم فالحليف بالنسبة لها هو تابع والعدو هو من يتطلع لبناء أمجاد بلاده دون التحفظ على الخطوط الحمراء التي قد تنال من مكانة وتفرد أمريكا في حكم دول العالم .

لتأتي جائحة فيروس كورونا واضعةً العالم في أكبر اختبار له، وسيتحول فيروس كورونا الذي أدخل الجميع في دوائر الخوف والهلع، بل وأفقد البعض القدرة على السيطرة في احتواءه،ففي اللحظة التي ظهرت فيها أمريكا في موقف الدولة الانتهازية الأنانية، أوروبا هي أيضا ظهرت أمام هذا الحدث كقوة دولية متراخية وغير متماسكة وضعيفة وعاجزة وغير جادة في مواجهة الجائحة منذ البدايات، بينما ارتفعت الصين من الناحية دولية وارتقت في مواقفها وقدراتها، لتتحول عندها الساحة الأوروبية الى ساحة موجهة بين أمريكا والصين بالمعنى الحقيقي، وكل هذه مؤشرات تدل على بدء تغير في الموقف الدولي بل وإعادة تشكيل للموقف الدولي وإن لم يكن مؤشراً قويا على قرب انهيار المنظومة الدولية لكن يظل مؤشرا هاما على تغيير كبير في طبيعة وشكل وحجم العلاقات الدولية لما بعد كورونا .

لتتحول في لحظة ما الحرب بين أمريكا والصين بعد ظهور فيروس كورونا الى حرب إعلامية وتنتقل حلبة الصراع من الحرب التجارية الى حلبة الحرب الإعلامية، واستطاعت الصين رغم الجهد الكبير الذي تبذله واشنطن تجاه الصين إعلاميا فيما يخص هذه الفيروس إلا ان الصين استطاعت تسجيل العديد من النقاط لصالحها في هذه المعركة، وما هوملاحظ في هذا السياق هو قدرة الصين على إرساء منظومة قيم وسلوكيات من شأنها أنسنة العلاقات بين الدول والشعوب ونبذ كلما يتهدد طموح التعاون المشترك، وهذا بخلاف ما ترسخه الولايات المتحدة الامريكية من العداء بين الأمم والشعوب، مما فرض اشكالا جديدة من المواقف تجاه هذا الصراع، الذي أسس فعليا لإعادة توجيه العلاقات الدولية في عالم ما بعد الكورونا .

ومع انتشار هذا الوباء في أوروبا وبالاخص في ايطاليا وتخلي الولايات  المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي عن مساعدتها والقرارات الصادرة عن دول الاتحاد بإغلاق الحدود وإيقاف العمل بمعاهدة شنغن التي تعتبر الركيزة الأساسية للاتحاد الأوروبي التي تضمن حرية العبور بين دول الاتحاد ، تقدم وتسارع كلا من الصين وروسيا إلى انتهاج مواقف وسياسات أخفاءها كورونا عند بعض الدول العظمة،فتسارعان الى تقديم الدعم لإيطاليا ولعدة دول أوروبية تفشى فيها الفايروس، لنجد صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ترفع في بلدات ايطالية ، بينما العلم الصيني يرفرف في سماء صربيا مع كلمات الشكر والعرفان من قبل الرئيس الصربي حيث قال ( لقد رأينا انه لا يوجد تضامن ولا تكاتف في أوروبا انا اثق في الصين فهي الدولة الوحيدة التي يمكن أن تساعدنا اما بالنسبة للآخرين فنشكرهم على لا شيء) ، وهذا يعبر عن إمكانية كبيرة لفك تحالفات وعقد تحالفات أخرى وأحداث تغيير كبير في العلاقات الدولية من ناحية توجه دول الاتحاد الأوروبي إلى الاهتمام بالمصلحة القومية وتفضيلها عن مصلحة الاتحاد مما قد يؤثر على وجود هذا الاتحاد ، الذي لم يصمد أمام أزمة وباء كورونا وتوجه بعض دوله إلى بناء علاقات أكثر قوة مع دول مثل الصين وروسيا وهذا الأمر سينعكس على علاقات هذه الدول مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تعاملت باستخفاف مع أزمة وباء كورونا الذي أثبت ضعفها وغياب اي استراتيجية للتعامل معه وفضلت أيضا المصلحة القومية لأمريكا على مصلحة الدول الغربية التي تحكمها معهم علاقات مهمة جدا وبالتالي ستنعكس على التحالف العسكري المتمثل الناتو وعلى التحالفات الاقتصادية المهددة بالانهيار في حال عدم نجاح هذه الدول بوقف انتشار هذا الوباء لينتقل تأثيره على منظمة التجارة العالمية التي ستعاني انسحاب دول عدة واول هذه الدول ستكون الولايات المتحدة الأمريكية التي تفشى الوباء فيها نتيجة عدم تعامل ادارتها بالشكل المطلوب للحد من انتشاره والنقص الكبير في المستلزمات الطبية التي تساهم في مكافحته لتذهب الولايات المتحدة للعمل لتأمين حاجاتها الداخلية بعيدا عن السوق العالمية وهذا سيجعل العديد من الدول الأوروبية تحذو حذو أمريكا وهذا سيؤثر سلبا على هذه العلاقات والى انكفاء هذه الدول على نفسها او اتجاهها لعقد تحالفات جديدة تتناسب ومصالحها وبما أنه في السياسة لا توجد علاقات دائمة بل توجد مصالح دائمة فلا عجب لو وجدنا في المستقبل تحالفات بين من  كانوا البارحة اضداد وسنرى تأثير فيروس كورونا في التغيير على العلاقات الدولية ولعل آثار هذا الفيروس على العلاقات الدولية هو تعرية الولايات المتحدة من لقب الدولة العظمى وفضح عجزها وغياب اي استراتيجية لهذه الدولة العظمى في فن الإدارة بالازمات.

الانكفاء القومي والعزلة الاستراتيجية والانطواء الاقتصادي هذه هي العناوين الأبرز للمرحلة المقبلة لما بعد كورونا، وهنا الأقوياء هم من يسجلون لأنفسهم مكان في التاريخ وهمالراسمون الحقيقيون لملامح العالم القادم، وهم المؤثرون على العديد من المسارات الهامة التي ستشكل هوية العالم لما بعد كورونا، وفيما تؤسس الولايات المتحدة الامريكية للعزلة والانكفاء تفرض الصين نفسها كقوة عالمية بديلة عن هذا العجز والفشل الأمريكي، وهو أول إعلان يستدعيه كورونا والمتمثل في انتقال مركز العولمة والقيادة للعالم من الولايات المتحدة الامريكية إلى الصين .

 

 

 

 

 

 

 

 

2020-03-28
عدد القراءت (385)