مشاركات صراع المعاهدات ... حرب تسلح و ساحات إشتباك ! فاديا مطر

_ لم تزل ساحات الإشتباك المختزلة قطبياً محور بنك السيطرة الإستراتيجي في موقعها و درجة سخونتها و أولويتها ، فالحاجة الى تدعيم تلك الساحات يتطلب فتح دفاتر قديمة جديدة تنقل الصراع من معادلات الإشتباك المفتوح و المباشر الى معادلات توسع هوة التباعد السياسي المنصرف في تلك الساحات ، وهو شكل تتبعه السياسة الغربية حين عجزها عن قيادة ساحات الإشتباك المفتوح و تحمل تداعياتها ، فالإنسحاب الأمريكي من معاهدة الصواريخ النووية القصيرة و المتوسطة التي أحتاجت لإبرامها ثلاثة قمم من العام 1985 الى العام 1987 لإتمام صياغتها بالشكل الذي واكب زمن الحرب الباردة و كرس معه إتفاقيات سالت 1 وسالت 2 في سبعينيات القرن الماضي في تخفيض الترسانات النووية بين روسيا و الولايات المتحدة في عهد الرئيسين ريغن و نظيره غورباتشوف ، له  مراميه الواضحة في إعلان واشنطن ،  برغم ما بقيت هذه المعاهدة قيد التفعيل في تعاقب الإدارتين  من تطوير منظومات التسلح لدى الدولتين ، فواشنطن التي إستضافت توقيع هذه المعاهدة أعادتها الى واجهة التوترات مع موسكو بعد تجاذبات سباق إتهام بالخرق وهو ما دعى إدارة ترامب الى الخروج منها في مطلع آب الحالي ، فما الغاية التي تريدها إدارة واشنطن من خروجها من معاهدة دقيقة كهذة ؟ و ما التداعيات المرتقبة في الخلفيات و تأثيرها ؟

_ فالمعاهدة التي حكمت زمن معين من سباق التسلح ضبطته الحرب الباردة في تغيير نقاط مواقعه ، تراجعت برودته عبر عقدين مضوا لتكون إستكمالاً لحرب تموضع تفوق منظومات " اس اس 20 " الروسية و " البيرشينغ " الأمريكية التي كانت حاكمة في قيادة تلك الحقبة ، و هنا يبرز حجم التصعيد في الساحات الجيوسياسية لمحور القطبين الدوليين في جعل ترامي مساحات السيطرة معتمداً على نتائج الربح و الخسارة في نقاط المواجهة المباشرة و التقدم الروسي في محور الإتفاق النووي مع إيران و الحرب على سوريا و النجاح بنشر منظوماتها الصاروخية في مثلث إيران و سوريا و تركيا و الذي يؤشر الى تخوف غربي من خسارة واشنطن مياه شرق المتوسط و الخليج و فقدانها السيطرة على حرب المعابر ، الأمر المنعكس بشكل حقيقي على عناوين الصراع الإقليمي و مؤثراته على حلفاء واشنطن ، فالمراد الأمريكي من الإنسحاب يشبه في غاياته الإنسحاب من الإتفاق النووي ، و الطرح بإلزام الطرف الروسي الإستمرار فيه تحت حكم مقتضياته برغم التلاعب الأمريكي فيه ، أو الخروج منه يتقدم لتغيير بنود تخدم هدفين أولهما تفصيله بالقياس الأمريكي الذي يخدم شكل التواجد العسكري الحالي ، و ثانيهما فتح مساحات فراغ فيه تتيح لواشنطن الكسب المادي من مؤسسات الصناعة العسكرية بشكل يسرع تطوير أنظمة صواريخ تواكب التوسع الذي أعلنته وزارة الدفاع الأمريكية في 2 / آب الجاري عقب الإنسحاب من أنها قيد تطوير صواريخ جديدة أرض _ جو متحركة رداً على ما سمته تحركات روسية و كانت المباشرة فيها منذ العام 2017 ، فوزير الدفاع الأمريكي مارك اسبر كان قد حمل روسيا مسؤولية وقف العمل بالمعاهدة ليواكبه في الإتهام أمين عام حلف الناتو " ينيس شتولتنبرغ " في توضح علني لنية واشنطن لإعادة صياغة معاهدة جديدة تضم الصين و روسيا و واشنطن بشكل شابه ما تحاول الولايات المتحدة إعادة صياغته في الملف النووي مع إيران يشمل النظم الصاروخية و الدفاع الجوي و يوسع نفسه لعمق المعادلة العسكرية التي إعتبرتها طهران ملف سيادي غير قابل لأي شكل من أشكال التفاوض أو حتى الطرح ، وهو ما تواجهه واشنطن في هذه المعاهدة مع موسكو ، فحرب المعاهدات التي تقودها واشنطن منذ عقدين هي بغاية زيادة حرب التسلح و إنعكاسه على ساحات الإشتباك المباشر بعناوينها المتعددة ، و التي منها ما نشرته روسيا من منظومات " 9 ام 729 " المتطور في الحوض الآوراسي و الذي يقلق حلف الناتو برمته ، فالرغبة الأمريكية في تقييد منظومات روسية دفاعية في شرق آسيا و أوروبا و ربما فنزويلا و كوبا و الأقليم العربي تنم عن خوف واشنطن من فقدان مساحات سيطرة تنتجها ساحات الإشتباك التي تخسر فيها واشنطن مواكبة حلفائها فيها و بداية خسارة منظومة الناتو لعقود تسلح ترد مالياً على واشنطن مع تقدم منظومات دفاعية روسية سوق التسلح و هو ما جعل التقدم العسكري الروسي في صفقات اس 400 و اس 500 المرتقبة مقلقاً جداً للقيادة العسكرية الأمريكية في توسيع حجم السيطرة العسكرية و صناعاتها ، لا بل الخوف الأكبر من فقدان التأثير يصل حتى على منظومات الدفاع الجوية الأمريكية التي تعبرها صواريخ زلزال اليمنية و صواريخ المقاومة الفلسطينية و ما واجهته من فشل في الدول التي إشترت تلك المنظومات و تأثيره في أي حرب محتملة قد تتورط فيها واشنطن و من خلفها حلفائها ، وهوما تؤشر إليه تجارب حرب الأقليم من تقدم عسكري تقني بدأ يطور نفسه و يفرض موقعه المركزي في مقابل ما تخسره واشنطن وحلفاؤها من قدرة ردع تتهالك و قدرة قيادة حروب تعيد المكانة في مرحلة فقدان القطبية الواحدة ، فالتملص من المعاهدات الحاكمة لها تعدها واشنطن نتائج لساحات الإشتباك التي تخسر فيها جل ما تفاخرت به لعقود ، فهل ستستطيع واشنطن صياغة معاهدات تحفظ المكانة في سباق التسلح الحاصل ؟ أم أن القبول بدفتر شروط جديد سيكون سيد الموقف ؟ هو ما تحمله ساحات الإشتباك المباشر على كاهل خسارة المكانة الأمريكية في القطب الجديد .

 

2019-08-07
عدد القراءت (1432471)