مشاركات أنقرة ... رسم السياسة بقوانين الحرب ! ـ بقلم : فاديا مطر

 أمام ما كان قد أعلنه حزب العدالة و التنمية في تركيا قبل عقد من الزمن بأن سياسته تقوم على قاعدة " صفر مشاكل " ، تتبدل الصورة بكليتها بعد الدخول في محور الحرب على سوريا ، و تنقلب المعادلات التركية الى مخاوف من النهايات و مترتباتها ، فتركيا الأطلسية منذ منتصف القرن المنصرم باتت تتموضع في قلب تعقيدات المشهد السياسي و العسكري و الإقتصادي الإقليمي و الدولي داخلياً وخارجياً ، ربطاً بعناوين سياستها التي ترسمها بقوانين حروب المنطقة و تصاعد دخانها الأسود ، وهي التي تقف في قلب المشروع الصهيو_ إخواني في المنطقة بدأ ورقها الأصفر بالسقوط في معارك الشمال السوري التي عجزت فيه عن تعويم المجموعات الإرهابية القاعدية كورقة تغيير لخطوط الميدان العسكري و جلب نتائجه الى طاولات سياستها التي تشترك فيها مع الضامنين الروسي و الإيراني ، و الحشود التي تدفع بها الى الحدود السورية و التعزيزات اللوجستية لم تربح أنقرة قدرة العبور بسلاح المجموعات الإرهابية الى ضمان وضع يدها في التشكيلة السياسية التي تقترب من البيان في سوريا ، وهو ما جعل من سياستها منذ خسارتها في معارك حلب طرفاً فاقداً لقدرة التحكم باللعبة الجيوبولتيكية على مجمل حدودها الجنوبية المشتركة مع العراق و المتوسط ، وبالتالي فإن قوانين الحرب التي رسمت السياسة التركية قد بدأت تفرض عليها واقعاً مغايراً لحجمها الجيوإستراتيجي في تشابك النزاعات التركية الداخلية و الخارجية ، ففرضية الأمن القومي التي أدارت بها أنقرة سياستها العسكرية تجاه التنظيمات الكردية شقت عصا الطاعة فيها بالعلاقات مع واشنطن ، و هو ما يتطور بإتجاه التصعيد  بسبب التحالف الكردي مع واشنطن ، و دخول أنقرة على خط القوة السياسية في أستانة و التعاون العسكري مع روسيا في موضوع التسلح ، هذا بالإضافة لعجز تركيا عن ضبط الخطوات المتصاعدة لمجموعات الشمال السوري ، ونفاذ الوقت أمامها حتى الشهر المقبل لأستانة جديد يفرغ اليد التركية من حجز مكان في اللعبة السياسية في سوريا ، فمعارك شمال حماه و التصعيد الآخير في محيط جبل التركمان و الريف الشمالي الشرقي للاذقية جعل من مجموعات تركيا عرضة لصد من محور ثلاثي خسرت فيه الرهان على التغيير في خطوط العسكرة التي تدعمها ، وهو ما ضيق الهامش من تقديم الدعم الى الدخول في المعارك بشكلها المباشر ، وهو خيار تخشى فيه تركيا الإنزلاق الى مواجهة تخسرها نقاط تثبيتها التي عملت بها كنقاط مراقبة ، ويجعلها ضعيفة أمام القدرة على جمع الخيارات الصعبة في إنشاء ما تسميه منطقة آمنة إذا مافقدت الجغرافيا العسكرية في الشمال بالرغم من التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو رهان خاسر لتركيا أمام التجاذبات التي تفرضها أنقرة على المحور الغربي في سوريا و ليبيا و البحر المتوسط ، فجولة المبعوث الأممي غير بيدرسون من موسكو الى دمشق و اللقاءات التي عقدها قبل مؤتمر أستانة في آب القادم يجعل من تركيا متراكضة لربط نتائج معاركها بسياساتها التي تشركها في اللعبة السياسية في سوريا ، وهو خيار بدأ ينحسر مع الخسارات العسكرية في الشمال و تردي العلاقات مع محورها الغربي و بدء نشوء نزاعات مخفية مع واشنطن في لعبة مياه المتوسط و ليبيا و العلاقة بمصر و السعودية ، وهذا لا يتعتبر حافزاً يخدم مشروعها السياسي في المنطقة على فرضية الأطلسية التي ستعاني منها تركيا لاحقاً في تصنيفها السياسي و العسكري ، لا بل التخبط الداخلي سيكون  فرض لازم على قيادات العدالة و التنمية في الضياع السياسي على خلفية خسارة إستطنبول و الفقد الأمني بعد جملة الإعتقالات الأمنية بعد محاولة الإنقلاب في العام 2017 ، وهو ما يجعل من السياسة التركية مخزناً جدلياً للعلاقات التي تحتر تحت خلاف داخلي يهدد مستقبل الرئاسة القادمة ، فمجمل العلاقات التي يقودها أردوغان باتت قيد التسخين ، من سوريا الى ليبيا الى المتوسط و النزاع مع أوروبا بشأن التنقيب في المياه القبرصية ، الى العلاقة بالمحور المصري و الخليجي و ليست النهاية بإحتمال فرض العقوبات الأمريكية على خلفية صفقة اس 400 الروسية و توقف مشروع طائرات اف 35 الأمريكية و صفقة الباتريوت الصاروخية ، و بالتالي فإن السياسة التركية قد أصبحت قيد إختبارات كثيرة ربما ترمي بها في شارع فارغ من العلاقات أو التحالفات المربحة التي حاولت فيها تركيا رسم سياساتها بقوانين الحروب بكافة أشكالها و إتجاهاتها ، وهي سياسة لم تعد بعيدة من كمين الخسارة الذي ينتظرها في المستقبل ، فهل إعادة الحسابات السياسية على مبدأ فض النزاعات ستجلب الحظ لتركيا ؟ أم أن ربط السياسات بنتائج النزاعات هي سياسة المضي حتى اللحظة الآخيرة ؟ فهذا ما تعمل عليه حكومة الإخوانية التي دفعت بسياسة الصفر مشاكل الى واجهة الأزمات في كل الإتجاهات التي بدأت نتائجها تلوح في أفق الخسارات التي تعدت العسكرة و ربما تصل الى المقاعد السياسية في أنقرة .

2019-07-13
عدد القراءت (28980)