مشاركات حرب السقوف ... بين معطيات السياسة و العسكرة..! فاديا مطر

_ مع إنتظار نهاية الشهر الحالي تنتظر سقوف كثيرة لتقف عند معطياتها النهائية ، إن كان لقمة  العشرين المرتقبة ، أو لمهلة إيران التي تقاطرت عليها وساطات التهدئة الآملة بمنحى تخفيفي من قبل طهران التي تستعد لتصعيد الخطوات ، فالتسوية مع إيران أمريكياً ليست بوارد إيقاف العقوبات الإقتصادية ، و لا المضي في الألتزامات أوروبياً ، و لا التخطي فوق العسكرة الى السياسية خليجياً ، بل توالي الشروط مازال متواجداً ، و الوساطات التي تعبر من تحت الطاولة تحاول تهدئة ما يسخن فعلياً ، و ليس التراجع الإيراني نحو قبول الشروط الأمريكية هو ما يمكن أن تأمل واشنطن حصوله ، ولا القبول الإيراني بما إلتزم به الدور الأوروبي حتى اللحظة هو مرضي لرغبات إيران التي ترى في الطرف الأوروبي في سياق الأتفاق النووي مجرد "شاهد" تابع للخطوات الأمريكية ، حتى كلام وزير الخارجية الألماني من عدم إمتلاك أوروبا " لعصا سحرية " في زيارته لطهران في 10/ حزيران الجاري ، هو كلام يدل على عدم قدرة أوروبا في قيادة خطواتها خارج النطاق الأمريكي في أي سياسة ، ولن تكون زيارة وزير خارجية اليابان أفضل حظاً في فرض تخفيض السقوف التي سطرتها إيران في المعادلة العسكرية لتواجدها على ضفة الخليج ، أو التموضع الإقليمي و الدولي الذي كرسته لدولة رأس حربة في محور المقاومة ، فوساطات الصف المتقدم تعنى حرفياً بعدم خروج إيران من الإتفاق النووي ، أو رفع معدلات التخصيب أو تخزين الماء الثقيل لديها بأكثر من 300 كغ بحسب ما نصه الإتفاق ، و لكن السياقات التي تنطوي تحت التنسيق الأمريكي مع الأوروبي أو الياباني يدل على ذات الخوف من الخطوات الإيرانية لعدم وجود بدائل تعتني في تزايد السقوف الإيرانية بعد المهلة ، و ما الوضع الذي تعيشه دول العدوان على اليمن بأفضل حال من مرتبها الأمريكي ، فقد بات إستهداف القدرة الصاروخية للجيش اليمني و اللجان الشعبية المطارات السعودية و الإمارتية واقع مسلم به من قاعدة الملك خالد الى مطار أبها و غيرها من المراكز الحيوية و النفطية التي طالت مواقعها الطائرات المسيرة و القدرة الصاروخية في تطور أصاب مطار أبها في 12/ حزيران الجاري بصاروخ " كروز " في عمق حيويته و إخراجه عن العمل بإعتراف دول العدوان نفسها ، وهو سقف جديد عسكري تتوازى معه سقوف سياسية ترتفع إضطراداً ، ففرضيات الخنق الأمريكي بانت ملامحها من أولى خطوات التحشيد العسكري في المنطقة الخليجية ، وهي ربما أعلى السقوف التي تقدر عليها واشنطن في ظل عدم إمتلاكها لخطة طريق  ، أو لجدول زمني سياسي يوقف السقوف الإيرانية التي تتصاعد ، فالإستهداف الإسرائيلي للجنوب السوري هو جل ما يمكن أن ترد به واشنطن و حلفائها على التصعيد اليمني العسكري في جيزان و خميس مشيط و غيرها من مناطق العمق السعودي ، وهو سقف متبدل تحتسبه واشنطن رداً في سياق المعادلات الإيرانية القادمة ، لكن لماذا صاروخ " كروز " ؟ و هل هذا التطور العسكري يقول شيئاً مغايراً لما قبل ؟

_ فهذا النوع من الصواريخ يفترض به أن يقع تحت سيطرة القبة الحديدة الدفاعية التي تنمركز فيها واشنطن في نطاق حماية الحلفاء في المنطقة ، وهو دليل برأي الكثيرين من المحللين العسكريين فشل لتلك القواعد الدفاعية في قدرةصدها صاروخ واحد من هذا النوع الذي يفترض بتلك الدفاعات الأمريكية أن تسقطه بسهولة ، فالتوازن العسكري الذي يقيمه اليمن مع محور العدوان باتت سقوفه أيضاً متغيرة لجهة من قال من الخبراء العسكريين بأن هناك فرضية ربما عدلت في نوع تلك الصواريخ و قدرة سرعتها و دقة إصابتها و شدة التدمير بالمساحة المضاعفة ، وهو ما جعل السعودية تعترف بأن الإستهداف اليمني قد أخرج مطار أبها خارج نطاق الخدمة ، و هو ما أخفته السعودية في عدة إستهدافات من قبل ، لم يجرؤ إعلامها على إعلانه لعلة العامل النفسي الذي يطيح بقدرة السعودية العسكرية التي تعتبر ثالث أكبر مستورد للسلاح الأمريكي منذ العام 2017 و حتى الآن ، و هو ما يمكن أن يكون تحديث جدي يتخذه الجيش اليمني في رفع سقوف العسكرة التي قد تغير وجه الحرب ، فالتغير الذي يمكن أن يطال المعطيات السياسية و العسكرية في ما بعد المهلة الإيرانية لا تستطيع تحالفات العدوان أو مقاربات البحرين في صفقة " قرن " لم تتبلور صيغتها ، ولم يتم تدوير زواياها حتى الآن من عبور ما تعجز عنه ملحقات الصفقة التحضيرية في عمان و القاهرة و المغرب ، و إمكانية إعلان الحضور الإسرائيلي العلني ليكون رداً يكبح السقوف الإيرانية فعلياً ، و لا يمكن  أن يكون هذا الملف حاجزاً أمام التقدم العسكري السوري في ميدان ريف حماه الشمالي المتداخل طبيعياً في ريف ادلب الجنوبي ، و هو المقلق الراهن لتحالفات تركية _ أمريكية _ إسرائيلية تمتزج فيها الصبغة الخليجية الداعمة لها ، والتوقيت الباقي بات مهماً جداً لما يتغير من سقوف سياسية و عسكرية في المنطقة ، فقمة العشرين ربما تكون فيها واشنطن الباحث عن معوقات فعلية أمريكياً لملفات المنطقة،  ولكنها قمة يتضح من ما يسبقها من وقت أنها قمة تبحث فيها واشنطن عن مداخل عملانية لوقف التأزم مع طهران ، ومحاولات تسووية في سوريا ، و البحث عن طريق النزول عن الشجرة في اليمن ، في جدول زمني تحاول فيه واشنطن الإلتفات للحرب الإقتصادية مع الصين ، و التهدئة مع كوريا الشمالية و ما يتطور من خطوات بعد التهديد الأمريكي بفرض عقوبات جديدة على بكين في حال عدم حضور الرئيس الصيني لقمة العشرين ، وهو تطور رأت فيه الصين عبر متحدثها بإسم وزارة الخارجية منحى جديد تصعده واشنطن دون علم بعواقبه الفعلية ، فالأدارة الأمريكية تخرج من حفرة لحفرة ، وهي المشغولة داخلياً في تنامي التجاذبات السياسية الحزبية ، وتفاقم التململ من السياسة الأمريكية التي ترى فيها قيادات سياسية و حزبية من كلا الحزبين أنها باتت تمثل عبئاً إضافياً لقدرة الولايات المتحدة على قيادة الملفات الخارجية السياسية و العسكرية ، فضلاً عن التخبط الداخلي في داخل البيت الأمريكي ، فالتص يحات الروسية بشأن قمة العشرين مؤخراً و التي تعتبرها واشنطن مريحة ، تأمل منها واشنطن أن تسود مفرزاتها على أوضاع مربكة للقيادة الأمريكية و التي عجزت عنها الواساطات المتقدمة على نحو واضح ، خصوصاً إذا ما رافقت القمة تحضيرات للقاءات ثنائية تريح صعوبة التقدم في ملفات إقليمية أهمها سوريا و إيران و اليمن ، و البحث في التطورات التي أعلن عنها محور المقاومة في حال تصاعد السقف العسكري الأمريكي مع إيران ، فالتخفيضات الصيفية طالت زيارات ساتر فيلد معاون وزير الخارجية الأمريكي ، و زيارة بومبيو التي كانت في أواخر شهر آيار المنصرم من سويسرا ، و التي ترددت فيها تغيرات قلب المعادلات على المساعي الأمريكية التي ترافق الفترة الحذرة الحالية و التي تضيق مساحة ساحات الإشتباك التي تقف تل ابيب في عمقها ، ليبقى الإستهداف الإسرائيلي الأخير هو مجرد إثبات وجود لموقف عجزت واشنطن عن إحضاره الى طاولة الجغرافيا السياسية السورية كحاضر يمنح مجموعاتها الأرهابية مكانة استراتيجية وهي التي تندحر في الأرياف الوسطى و الشمالية السورية تباعاً ،  فالتقدم العسكري كرسته وزارة الخارجية الروسية بمقوماته في قبضة الجيش السوري كقدرة حاضرة تحمل التواجد الإستراتيجي في القرار السياسي و الميداني ، فهل مقابلة السقوف بالسقوف مرتبط بحلول السياسة ؟ أم أن تلك السقوف يحكمها الميدان بقلم العسكرة التي تحكم سياستها ؟ هو ما تحمله أيام المهل التي تسبق الحكم النهائي لما بعد تراجع حدة السقوف أو إفلاتها من معقلها !

2019-06-15
عدد القراءت (12455)