حوارات توب نيوز الحافظ لـ«توب نيوز» و«البناء»: توافق أميركي ـ روسي ـ إيراني على أمن الخليج والسعودية تتّجه إلى العزلة

حاورته روزانا رمّال ـ تحرير محمد حميّة

أكد الخبير في الشؤون الأميركية الأمين العام للمؤتمر القومي العربي الدكتور زياد الحافظ، أنّ «المرشح الجمهوري دونالد ترامب ليس مقرّباً من إسرائيل بعكس المرشحة هيلاري كلينتون التي تعتبر صديقة لإسرائيل، لكنها لن تستطيع أن تغير في المعاهدة النووية بين إيران والمجتمع الدولي».

وأوضح الحافظ في حوار مشترك بين صحيفة «البناء» وقناة «توب نيوز» أنّ «المزاج الأميركي بشكل عام يميل داخلياً لمرشحين: ترامب في الحزب الجمهوري وليبرني سامبرز في الديمقراطي، لكنّ الموضوع لم يُحسم بعد بالنسبة إلى الحزب الديمقراطي».

واستغرب الحافظ كلام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي يراهن على الحزب الجمهوري لتغيير سياسات الولايات المتحدة، «التي لن تصبّ في خدمة السعودية، لا سيما أنّ المرشح المتقدم هو ترامب وسياساته تجاه المنطقة أقرب إلى مصلحة شعوب المنطقة، ليس محبة فيها بل لتأمين المصالح الأميركية بعدم التورط في حروب جديدة».

واعتبر الحافظ أنّ «هناك عوامل موضوعية تحدّ من قدرة أميركا على نقض الاتفاق النووي أولها أنّ العالم أجمع لا يشاطرها هذا الرأي، لا سيما الاتحاد الأوروبي وأفريقيا وأميركا الجنوبية، لذلك فإنّ إمكانية النقض محدودة وستكلف أميركا ثمناً عسكرياً واقتصادياً كبيراً لا تستطيع تحمُّله».

وتوقع الحافظ أن تقلص الولايات المتحدة وجودها العسكري في الخليج خلال السنوات العشر المقبلة لأنّ جدواه وكلفته لم يعودا كما كانا في السابق.

ولفت الحافظ إلى أنّ «أمن الخليج لم يعد أمراً أميركياً مباشراً بل بالتوافق بين إيران ووراءها روسيا بالاتفاق مع نظام إقليمي عربي يجري تحضيره منذ الآن بما فيه الجزيرة العربية بعد تغير سياسة القيادة السعودية التي يمكن أن تتحول إلى ملكية دستورية أو تتغير موازين القوى بين الأجهزة المتصارعة في العائلة الحاكمة».

في ما يلي نصّ الحوار كاملاً

لماذا تأخذ الانتخابات الأميركية هذا الاهتمام الكبير في الشرق الأوسط؟

هذا يعود إلى تقليد سائد منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تنظر دول الشرق الأوسط ونخبها الحاكمة إلى الولايات المتحدة على أنها تابعة لها وتتصرف بتوجيهاتها، لأنّ معظم الأوراق، على الصعيد الدولي والإقليمي، كانت ممسوكة من الولايات المتحدة، لكنّ هذا الوضع تغير اليوم إلا أنّ معظم النخب في العالم العربي لا تزال تعتقد أنّ الأمر أولاً وأخيراً للويلات المتحدة في ملفات الشرق الأوسط، لكنّ مصير الولايات المتحدة لن يختلف عن مصير الإمبراطوريات الكبيرة التي تترهل وتضمحل ثم تختفي، نحن نعيش اليوم المراحل الأخيرة من هذه الإمبراطورية التي كان بريقها لامعاً في فترة محدودة تاريخياً وتأثيرها كان كبيراً جداً في المنطقة والعالم، خصوصاً في السياسة والثقافة ونمط الحياة الذي روجته في العالم والذي يحاكي الغرائز والرغبات المدفونة.

ألا يزال نفوذ الولايات المتحدة نفسه في الوقت الحاضر؟

هناك تراجع كبير على الصعيد السياسي والاقتصادي في العالم أجمع وليس فقط في الشرق الأوسط ولكنّ جاذبية الولايات المتحدة لا تزال كبيرة بعد أن تمّت أمركة العالم إلى حدّ كبير، لكنّ هذا لا يعني أنّ ذلك يمكن ترجمته إلى واقع سياسي، في وعي العرب بشكل عام أنّ أميركا لا تزال صاحبة القرار الذي يؤثر في مستقبل المنطقة.

تحدثتَ عن نفوذ أميركا في الشرق الأوسط، أين كان هذا النفوذ وأين تراجع؟ وهل توقيع الاتفاق النووي مع إيران أحد مؤشرات هذا التراجع؟

المحطة الفاصلة كانت في العام 2011 عندما كانت أميركا تعتقد أنها تسيطر على العالم العربي، سواء على الصعيد النخب الحاكمة أو الحركات الشعبية وأتت أحداث سورية لتعري بشكلٍ كامل النفوذ الأميركي الذي تعثر سابقاً في العراق، وإسقاط المقاومة في العراق مشروعها والمقاومة في لبنان بعد هزيمة «إسرائيل» وانتصار المقاومة في فلسطين رغم الإمكانات المحدودة والحصار المفروض عليها، ما يبين أنّ المشاريع السياسية لأميركا توقفت وتعثرت، لكنّ هناك حالة إنكار لحالة التراجع وبعد الأزمة السورية ودخول روسيا والصين على الخط ليظهر بشكل واضح أنّ أميركا لم تعد قادرة على تغيير مسار الأمور، في المقابل هناك محور تشكل يمتد من الشاطىء الشرقي في المتوسط إلى بحر الصين، هذه الكتلة الجغرافية الهائلة التي تضم آسيا وقسماً كبيراً من أوروبا لديها القدرة الشعبية والاقتصادية والتمدُّد الجغرافي الذي لا تستطيع الولايات المتحدة أن تواجهه، وقد استطاعت روسيا والصين أن تفرضا نفسيهما في ساحات عديدة كانت مسرحاً فقط للولايات المتحدة.

أحداث سورية كانت بمثابة تراجع لهذا النفوذ الأميركي في المنطقة وعطلت روسيا من خلال «الفيتو» الهيمنة الأميركية على استخدام مجلس الأمن كأداة لتبرير سياسات الولايات المتحدة وسقوط خيار الحرب العسكرية المباشرة على سورية بعد أن قدم الرئيس فلاديمير بوتين اقتراح نزع السلاح الكيماوي من سورية كخشبة خلاص للولايات المتحدة، ودلّ ذلك على أنّ أميركا لم تعد لها أي قدرة لشنّ الحرب العسكرية. إنّ تناقض الولايات المتحدة مع السياسات «الإسرائيلية» والسعودية حول توقيع الاتفاق النووي مع إيران والتركية في الملف السوري خلق انطباعاً لدى حلفائها بأنّ هناك ضعفاً ما لدى الولايات المتحدة. الأنظمة العربية تعتقد أنه إذا تغيّر نظام الحكم في أميركا قد تتغير السياسات الأميركية، لستُ متأكداً من ذلك وأستغرب كلام وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي يعكس جهله التطورات التي تحصل في أميركا وهو يراهن على الحزب الجمهوري والمتقدم هو المرشح دونالد ترامب وسياساته تجاه المنطقة أقرب إلى مصلحة شعوب المنطقة، ليس محبة بها بل لتأمين المصالح الأميركية لعدم التورط في حروب وترامب ليس متأثراً بالمواقف الإيديولوجية ولديه استقلال مالي وليس مديناً للمساهمات المالية التي تعطيها اللوبيات، خصوصاً اللوبي الصهيوني.

أليس الحزب الجمهوري هو الذي توسَّع في الشرق الأوسط وخاض الحروب وكان أكثر جرأة وشجاعة؟

تمّ اختطاف الحزب الجمهوري من قوتين: قوة الإنجيليين الجُدد الذين أتوا بالرئيس السابق جورج بوش إلى الحكم وهم متواجدون في الولايات الجنوبية، وقوة المحافظون الجدد الذين لا يملكون قاعدة شعبية بل هم متواجدون في مراكز الأبحاث والجامعات ويسيطرون على المؤسسات التي تؤثر في صنع القرار. وهاتان القوتان استطاعتا خطف الحزب الجمهوري من سياساته التقليدية، لكنّ من أشعل الحروب بشكل عام هو الحزب الديمقراطي بينما الجمهوري حزب انعزالي. «الديمقراطي» يريد نشر ثقافة وقيم الولايات المتحدة في العالم، أما المحافظون الجدد فموجودون داخل إدارة الرئيس باراك اوباما وبعض المحافظين في الوفد الأميركي المفاوض في المفاوضات النووية مع إيران كانوا يسرِّبون بشكل مباشر ما يحصل داخل المفاوضات لرئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو. المرشحة هيلاري كلينتون أصبحت اليوم على يمين صقور الحزب الجمهوري وتستجدي دعم اللوبي الصهيوني بشكل سافر، وهي المسؤولة الأولى عن استمرار الحرب في سورية عندما أطلقت النداء الواضح للمعارضة السورية إلى عدم الاستجابة لإلقاء السلاح.

من هم المرشحون الأكثر تقرُّباً من «إسرائيل»؟

المرشح الجمهوري ترامب ليس عزيزاً على حكومة «إسرائيل»، وقد تكون المرشحة هيلاري كلينتون عزيزة جداً على «إسرائيل» لكنها لن تستطيع أن تغير في المعاهدة النووية. في الوقت عينه، ليس هناك مرشحاً مفضلاً لدى السعودية. أما المزاج الأميركي بشكل عام فهو يميل داخلياً إلى مرشحين: ترامب في الجمهوري وليبرني سامبرز في الديمقراطي والموضوع لم يحسم بالنسبة إلى الديمقراطي.

ما مدى تأثير «أيباك» في هذه الانتخابات؟

«أيباك» مؤثرة عند بعض المرشحين لكنها ليست في القوة التي كانت عليها في الانتخابات الماضية. خلقت «أيباك» في ولاية أوباما مزاجاً معادياً لسياستها في الولايات المتحدة، حتى عند الجمهوريين القدامى، أما في الحزب الديمقراطي فالجالية الصهيونية تصوت له. حاولت «أيباك» أن تشوِّه صورة ترامب، فوسائل الإعلام في أميركا تملكها ست شركات، اللوبي الصهيوني يتحكم بها على صعيد السياسة الخارجية لكن على صعيد السياسة الخارجية لا نفوذ له، ونفوذ «اللوبي» الصهيوني بدأ بالتراجع في انتخابات 2012 عندما دعم المرشح ميت رومني ضدّ أوباما وربح الأخير.

من تتوقع أن يفوز في هذه الانتخابات؟

الذي قد يحصل هو تشظي الحزبين وتوسُّع الشرخ، قاعدة الحزب الديمقراطي لا تريد كلينتون، خصوصاً عنصر الشباب، يمكن أن تتغير النتائج في الأشهر المقبلة في الولايات المتبقية وإذا نجحت كلينتون لن تفوز بفارق كبير ما سيفرض عليها أن تساوم المرشح سامبرز على العديد من السياسات، وإذا فاز ترامب فلن يبقى الحزب الجمهوري كما هو الآن.

ثنائية وزيري الخارجية الأميركي والروسي جون كيري وسيرغي لافروف هي الأكثر جدية وإنتاجية. إذا تغيرت الإدارة الحالية وجاء وزير خارجية آخر ماذا سيحلّ بملفات الشرق الأوسط وهل سيؤثر ذلك على هذه الثنائية؟

هناك ثقافة مترسِّخة عند النخب الحاكمة في الولايات المتحدة في الحزبين لعدم احترام الاتفاقات المبنية عادة على قاعدة أنها ترجمة لموازين قوى في لحظة ما، ويصبح مشروعاً لاحقاً نقض أي اتفاق في أي موازين قوى أخرى. إذن، ما يشجع أميركا على نقد الاتفاقات بما فيها الاتفاق النووي مع إيران هو قدرات الولايات المتحدة على فرض إعادة النظر فيها، وهناك عوامل موضوعية تحدّ من قدراتها على نقض الاتفاق النووي أولها أنّ العالم أجمع لا يشاطرها هذا الرأي، الاتحاد الأوروبي وأفريقيا وأميركا الجنوبية والفعاليات والمزاج العالمي والشركات تريد تطبيع العلاقات مع إيران لمصالحها. ففرنسا لن تتراجع عن الصفقات مع إيران، كذلك ألمانيا وروسيا والصين، لذلك فإنّ إمكانية النقض محدودة وستكلف أميركا ثمناً عسكرياً واقتصادياً كبيراً لا تستطيع تحمله. حتى الآن لم تخرج أميركا من الركود الاقتصادي التي سببته الأزمة المالية عام 2008، الواقع الاقتصادي لا يسمح لها بالمكابرة على الصعيد السياسي، القواعد العسكرية في العالم تكلفها مئات المليارات والجدوى السياسية والاقتصادية منها محدودة، لديها قواعد عسكرية في الخليج لحماية منابع النفط لكن سنشهد خلال السنوات العشر المقبلة تقلصاً لهذا الوجود العسكري في الخليج لأنّ جدواه وكلفته لم تعودا قائمتين كما كانتا في السابق، ولم تستطع أن تؤثر على النمو الاقتصادي لاقتصادات الهند والصين وغيرها، وهناك بدائل للطاقة تستطيع الحصول عليها. من هنا نفهم التراجع الأميركي في المنطقة وتسليم زمام الأمور إلى أطراف أخرى، كما أنّ أمن الخليج لم يعد أمراً أميركياً مباشراً بل بالتوافق بين إيران ووراءها روسيا بالاتفاق مع نظام إقليمي عربي يجري تحضيره منذ الآن بما فيه الجزيرة العربية بعد تغير سياسة القيادة السعودية الحالية ويمكن أن تتحول إلى ملكية دستورية أو تتغير موازين القوى بين الأجهزة المتصارعة في العائلة الحاكمة.

السعودية تعارض بعض السياسات الأميركية لا سيما في سورية، وها هي تتحالف مع «إسرائيل». إلى أي مدى تستطيع السعودية معارضة هذه السياسات؟

«إسرائيل» لم تستطع أن تغير المعادلات السياسية في لبنان وفلسطين رغم الحروب التي شنّتها، فما الذي تستطيع تحقيقه في الخليج؟ ليس لديها القدرة البشرية لضرب إيران ولن تنجرّ أميركا إلى الحرب والانقلاب على الاتفاق النووي وقالها أوباما بعد استقباله قادة دول مجلس التعاون الخليجي إنّ عدوكم ليس إيران بل المشكلة هي داخل مجتمعاتكم، لكنّ حالة الإنكار والمكابرة لدى الخليج لا تزال موجودة، هناك طرف داخل المملكة يرفض خروجها عن الإرادة الأميركية بسبب الحماية التي توفرها لها، وهناك من يتصور أنّ أميركا لم تستطع حماية أي حاكم عربي، لذلك لم يحسم هذا الأمر داخل المملكة وهذا يؤدي إلى رفع سقف التمرُّد السعودي على سياسات أميركا واعتقدت السعودية أنّ تركيا ستجاريها في الموضوع، لكنّ التحرك التركي الأخير كان واضحاً بأنه نحو إيران، وفي هذه الحالة ستبقى السعودية معزولة ولا أعتقد أنّ مجلس التعاون سيجاريها بسبب مصالحه مع إيران،. التحالف مع «إسرائيل» ضمن موزاين القوى الحالية لا يخدم مصالحها بل مصالح خصومها.

هل يهدف الضغط السعودي على حزب الله إلى استحصال قرار في مجلس الأمن ضدّ حزب الله في وقت تقف عاجزة عن حسم الحرب مع الحوثيين؟

هناك تفاوض اليوم تحت الطاولة بين السعودية والحوثيين، وهناك رهان لدى بعض الجهات في المملكة على أنّ التحريض على حزب الله هو تحريض لـ«إسرائيل» وتقديم التغطية العربية لها في أي حرب مقبلة، ونجحت في ذلك من خلال قرار وزراء الخارجية العرب الذي كان التمهيد لقرار مجلس التعاون ثم وزاراء الداخلية العرب. استطاعت السعودية خلق مناخ عربي رسمي لم يعد يغطي حزب الله، لكنها أخطأت عندما تجاهلت أنّ هناك رأياً عاماً شعبياً عربياً يستطيع أن يضغط على الحكومات وفقدت هذا الإجماع العربي وفوجئت من موقف العراق وتونس والجزائر. لبنان اعتُبر الحلقة الأضعف لكنّ الوحدة الوطنية كانت أقوى من سياسات المملكة التي لم تستطع أن تحقق ما تريده في لبنان وهو نزع الغطاء العربي عن حزب الله، لذلك على قوى 8 آذار أن تسرع في انتخاب رئيس للجمهورية بما أنّ المرشحين من خطها وفريقها، لأنّ وجود رئيس للجمهورية يغطي المقاومة.

2016-03-11
عدد القراءت (12047)