حوارات توب نيوز مالك لـ «توب نيوز» و «البناء»: صمود محور المقاومة أكسبه رصيداً استراتيجياً سيوظف في المراحل المقبلة ويبدّد الرهانات على سقوط الدولة السورية

حاورته روزانا رمّال

أكد الإعلامي والكاتب السياسي عادل مالك «أنّ الدخول الروسي إلى سورية عمل مدروس بعناية ومستند إلى فشل التحالف الدولي في مكافحة الإرهاب»، مشيراً إلى «أنّ مصداقية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقوة الطيران الروسي سيلعبان دوراً رئيسياً في الحدّ من مخاطر «داعش» أو أي تجمُّع إرهابي آخر».

وفي حوار مشترك بين صحيفة «البناء» وقناة «توب نيوز»، لفت مالك إلى أنّ «الحلّ السياسي في سورية هو الحلّ الأخير المُتاح»، مشيراً إلى «أنّ التدخل الروسي أعطى زخماً جديداً لحلّ سياسي يجري الاتفاق عليه، حالياً، بين الجميع والذي لم يعد بعيد المنال».

وأوضح مالك أنّ «الغرب الأميركي والأوروبي أدرك أنّ كلّ طروحاته لم تؤدِّ إلى نتيجة، فأيقن أن لا بدّ من التعاون مع الرئيس السوري بشار الأسد لأي مرحلة انتقالية يمكن أن يصل إليها الحلّ السياسي للأزمة السورية».

وأوضح مالك «أنّ صمود محور الممانعة، من إيران إلى سورية ولبنان، أكسبه رصيداً استراتيجياً سيوظف في المراحل الآتية في المنطقة». وقال: «كلما تقدم الطيران الروسي في قضم مراكز نفوذ الإرهابيين يكون قد سجل نقاطاً رئيسية على صعيد الصراع القائم في المنطقة، ووجود بوتين في الواقع السوري أعطاه دوراً جديداً ليحطم أحادية الموقف الأميركي».

وإذ رأى أنّ توقيع الاتفاق النووي الإيراني، افتتح مرحلة جديدة في المنطقة والعالم، أعرب مالك عن اعتقاده بأنّ الغرب «وافق مكرهاً على التوقيع بعد فشل رهاناته على تغيير النظام في طهران»، مشيراً إلى «أنّ الأولوية المطلقة بالنسبة للمنطقة في الأجندة الدولية هي حرب اليمن ثم الوضعين السوري والعراقي».

وفي الشأن اليمني، رجّح مالك أن تتجه حرب اليمن «نحو مزيد من التطورات الدراماتيكية»، كاشفاً معلومات «عن مخطط لتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم».

وحذر مالك «من سايكس ـ بيكو جديد يرسم في المنطقة بعد الذكرى المئوية الأولى لاتفاقية سايكس بيكو، يقضي بإعادة توزيع مناطق النفوذ، ما ستكون له تداعيات كثيرة على المنطقة»، موضحاً «أنّ التقسيم الجديد لا يعني تقسيم الحدود، بل هو تقسيم داخلي وتوزيع للسلطة داخل الدولة الواحدة أو الدويلات التي ستعقد تحالفات مع دول أكبر».

وفي الملف اللبناني، أعرب مالك عن خشيته من الحراك المدني وخشيته عليه، قائلاً: «الحراك عكس وجود فجوة كبيرة بين السلطة والشعب لا يمكن تجاهلها، وأنبّه القيمين على هذا الحراك من اختراقه من قبل بعض الأطراف الإقليمية التي لها سياسات بعيدة المدى».

واستبعد مالك إنهاء الشغور الرئاسي حتى مطلع العام الجديد، مؤكداً «أننا لسنا أولوية على جدول الأعمال الإقليمي والدولي وعلينا الانتظار بضعة أشهر.

وفيما يلي نصّ الحوار كاملاً:

بداية، كيف تقرأ التدخل الروسي العسكري الحالي في سورية؟

ـ الدخول الروسي إلى سورية هو خطوة اقتحامية أقدم عليها الرئيس فلاديمير بوتين، ضمن حسابات دقيقة، وهو، بالتالي، ليس تدخلاً انفعالياً بل تدخلاً مدروساً بعناية. وأستند هنا على الحلف الذي أطلق عليه اسم «قوات التحالف الدولي» الذي فشل في مكافحة الإرهاب. والآن جاء بوتين بالطيران والخبرات الروسية ليقول نحن لدينا واجب هو مكافحة الإرهاب. سئل بوتين: كيف تصف التدخل في سورية، فأجاب: أولاً أستجيب لطلب السلطة الشرعية بالتدخل، وثانياً نحن نقدم مساعدة، ليس لمنطقة معينة لأنّ مكافحة الإرهاب قضية أمن مركزي روسي. بمعنى آخر أنا أقاتل «داعش» الآن في سورية وربما أقاتله في العراق حتى لا تأتي عناصر «داعش» إلى روسيا. هذا التصريح لبوتين يعني أنه اتخذ قراراً بالتدخل من منطلق الأمن القومي.

هل ترى أنّ الدخول الروسي إلى سورية تحدٍّ لسياسة التحالف الدولي، وهل سيُعجل بالحلّ السياسي للأزمة السورية؟

ـ لم يتمكن التحالف الدولي من وضع «النصرة» أو «داعش» عند حدّ معين، وجاء بوتين ليقول: نحن لدينا إمكانية للحدّ من مخاطر المجموعات الإرهابية وهو يعرف تماماً أبعاد المنطقة. وعليه فإنّ العمليات العسكرية الجوية الروسية في سورية ليست هي الهدف النهائي، بل ربما تكون بمثابة جسر عبور إلى أحداث أخرى مقبلة على المنطقة. الإرهاب نقطة تحوُّل في المنطقة بأكملها، بوتين تحمّل مسؤولية معنوية وسياسية كبيرة، وقد اتخذ قراراً مهماً وكبيراً مقابل التردّد والإرباك اللذين اتصفت بهما مواقف الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي قدم وعوداً كثيرة للمنطقة ولم يتحقق منها أي شيء. إنّ مصداقية بوتين وقوة الجيش الروسي سيلعبان دوراً رئيسياً في الحدّ من مخاطر «داعش» أو أي تجمُّع إرهابي آخر.

أما بالنسبة إلى موضوع الحلّ، فإنّ سنوات الحرب الخمس أفرزت جملة من المعطيات، واليوم إذا كان النظام لم يتمكن بعد من إحكام سيطرته على كامل الأراضي السورية، ففي المقابل لم تتمكن المعارضات المتشرذمة من تقديم بديل معين عن هذا النظام. لذلك فإنّ الحلّ السياسي هو الحلّ الأخير الذي يجب أن يكون متاحاً، والتدخل الروسي زخم جديد يعطى للأزمة وهو جنوح إلى حلّ سياسي يجري الاتفاق عليه حالياً بين الجميع. الحلّ السياسي لم يعد بعيد المنال وهنا أهمية الدور الجوي الروسي.

في رأيك، هل اقتنع الغرب ببقاء الرئيس الأسد والتعاون معه، وما الذي تغير اليوم للقبول بالمرحلة الانتقالية؟

هناك جهات عديدة، إقليمية ودولية راهنت على أنّ النظام في سورية سوف يسقط قريباً، واليوم نحن في السنة الخامسة والنظام موجود، وإن فقد بعضاً من قوته بفعل عوامل كثيرة أسهمت في تدمير سورية، فيما الدول الغربية لم تقدم أي بديل. أدرك الغرب الأميركي والأوروبي أخيراً، أنّ كل الطروحات التي قُدّمت لم تؤدِّ إلى نتيجة، وأيقن أن لا بدّ من التعاون مع الرئيس بشار الأسد لأي مرحلة انتقالية يمكن أن يصل إليها الحلّ السياسي للأزمة السورية.

هل أثر توقيع الاتفاق النووي بين إيران والغرب، بشكل مباشر، على الأزمة السورية والقبول ببقاء الرئيس الأسد؟

الاتفاق النووي افتتح مرحلة جديدة في المنطقة والعالم، وسيذكر التاريخ ما قبل الاتفاق النووي وبعده. إنه تقويم جديد دخلت فيه المنطقة، وهذا يشير إلى أنه لولا صمود إيران في عملية التفاوض الماراتونية مع الغرب لما تمّ التوصل إلى الاتفاق النووي. الغرب مُكره على القبول بالاتفاق بعد أن راهن طويلاً على تغييرات في النظام السياسي في طهران. نحن أمام تاريخ جديد في المنطقة يؤكد تبدل الكثير من الرهانات القديمة والمعادلات والتداعيات المباشرة وغير المباشرة. انشغل العالم منذ شهور بالعديد من الأحداث، والآن هناك أولويات بالنسبة إلى أحداث المنطقة. وفي هذا الإطار، الأولوية المطلقة هي حرب اليمن، والثانية الوضع السوري، واستطراداً العراق. الحرب في اليمن تمثل خطورة كبيرة، ووضع التحالف ضدّ اليمن تحول إلى حالة استنزافية. انقضت شهور والوضع لا يزال غير محسوم حتى الآن، في صنعاء لم يُبت الوضع حتى الآن، ودول التحالف وعدت نفسها والعالم بأنّ حرب اليمن ستقضي على الحوثيين وعلى الرئيس السابق علي عبدالله صالح، لكنّ حرب الاستنزاف اشتدت.

من جهة أخرى، فإنّ لبنان أولوية لكن بعد اليمن وسورية والعراق. أي أنّ الملف اللبناني ليس أولوية تتصدّر جدول الأعمال الإقليمي والدولي.

ماذا تمثل سورية بالنسبة إلى الأطراف الدولية والإقليمية ليتم تقديم هذه التضحيات، من حزب الله والجيش السوري وروسيا أيضاً تقاتل وبدأت تتعرض للاستهداف الإرهابي؟

سورية دولة مهمّة استراتيجياً على الصعيدين الإقليمي والدولي وهناك إحصاء مؤكد يشير إلى وجود 64 جنسية تقاتل في سورية، وهذا لم يحدث من قبل إطلاقاً، وقد خلق إشكالية جديدة لدى الغرب تمثلت بالمقاتلين الغربيين، وخصوصاً من فرنسا وبريطانيا، الذين يلتحقون بالتنظيمات الإرهابية في سورية. ولو لم تكن سورية على هذا القدر من الأهمية لما كان هذا التجمُّع الإقليمي والدولي والتركيبة القائمة اليوم. سورية صمدت خلال خمس سنوات في وجه الحرب الكونية، بما تمثله من قيمة استراتيجية بتحالفاتها في المنطقة، ولا سيما مع إيران وحزب الله وهذه القوى تحاول الآن منع أي تحول قد يحدثه أي اعتداء على سورية، وقد اكتسب خط الممانعة الممتدّ من إيران إلى سورية ولبنان صموداً كبيراً ومن شأنه أن يوظف هذا الرصيد الاستراتيجي في المراحل المقبلة، وهذا ما سيبدّد رهانات الدول والقوى التي راهنت على أنّ النظام في سورية سينتهي.

هناك معلومات مؤكدة بأنّ تركيا لعبت قبل اندلاع شرارة الأحداث في سورية دوراً سلبياً وأرسل رئيسها رجب أردوغان وزير خارجيته آنذاك أحمد داوود أوغلو إلى الرئيس بشار الأسد وبعد اجتماع دام ست ساعات ونصف الساعة، حاول أوغلو إقناع الرئيس الأسد بتقديم تنازلات إلى أطراف إقليمة ودولية، فرفض الرئيس السوري، وفي اللحظات الأخيرة قال أوغلو له: «أنقل إليك تحيات أردوغان وهو كان يتمنى ألا نشهد كتركيا تقسيم سورية والأسد على رأس هذه السلطة. فردّ الرئيس الأسد: «سلم على أردوغان وقل له إننا نعلم ما هو الدور المناط بنا وقل له أيضاً إذا ما تمّ التقسيم فلن يقتصر على سورية وأنتم المستهدفون، بالدرجة الأولى، عن طريق الأكراد والدعوة إلى الحكم الذاتي.

ـ أردوغان فشل في الانتخابات التركية كإدانة داخلية على فشل رهاناته، بوتين يقول اليوم إنّ الأولوية هي لمكافحة الإرهاب، وهذا يُعبّر عن رؤية استراتيجية روسية للمنطقة، لذلك كلما تقدم الطيران الروسي في قضم مراكز نفوذ الإرهابيين يكون قد سجل نقاطاً رئيسية على صعيد الصراع القائم في المنطقة.

في سياسة توزيع النفوذ في العالم شهدنا همينة القطب الواحد في العالم، أي الولايات المتحدة الأميركية، واليوم نشهد تقاسماً في الملفات بين روسيا وأميركا، فهل يمكننا القول إنّ سورية أعادت إلى روسيا زخمها في كسر معادلة الأحادية القطبية؟

التعاون الروسي ـ السوري كان في اتجاهين، كما أنّ سورية في حاجة إلى قوة عالمية كروسيا. بوتين يقول: أنا الرجل الأقوى في الوسط السوري وكلّ ما كان يتحدث عنه الغرب الأميركي في المنطقة كان خطأ. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي سادت أحادية أميركية كانت موضع شكوك والعديد من خيبات الأمل. نظرية أن يُحكم العالم من قبل فريق واحد أثبتت فشلها، ووجود بوتين في الواقع السوري أعطاه دوراً جديداً ليحطم أحادية الموقف الأميركي. اليوم لا يمكن الوصول إلى حلول لأي أزمة من دون الأخذ بعين الاعتبار المطالب الروسية، هنا أهمية الخطوة الروسية التي اختار فيها بوتين توقيت فشل رهانات الأطراف كافة، ليقول: نحن هنا ومواجهة الإرهاب أولوية بالنسبة إلينا.

هناك قراءة تقول إنّ الحروب في الشرق الأوسط فرصة لصرف الأسلحة المكدسة وتحريك أسواق السلاح الراكدة، ومعروف أنّ هناك نسبة بطالة في الولايات المتحدة والأزمة المالية العالمية لم نعد نسمع بها. هل تشكل الحروب مخرجاً لإنهاء الأزمات الاقتصادية؟

لاحظنا في مرحلة النصف قرن الماضية، أن تكون هناك دائماً حرب مشتعلة، سواء كانت لعبة أمم أو قضايا مصلحية، إنما المحرك الأساسي هو بيع السلاح. وبعد الاتفاق النووي وعندما التقى أوباما بأمراء الخليج وهو يحاول إقناعهم بالتفاهم الذي عقده مع إيران، قال لهم: «أخذنا ضمانات من إيران بعدم الذهاب إلى هجمات عسكرية عليكم ولكن عليكم الحذر في التعاطي مع إيران». واقترح أوباما حينها عقد صفقات أسلحة جديدة. الخلاصة أنّه يجب افتعال حروب في كلّ مرحلة لإكمال صناعة وتسويق الأسلحة الغربية. والآن تحت شعار الاتفاق النووي مع إيران نجد أنّ دول الخليج تتسلح أكثر فأكثر، بضغط أميركي، وتحت شعار الدفاع عن النفس.

أجريت مقابلة مع الملك السعودي فيصل بن عبد العزيز عام 1964 وكان له رأي في اليمن ورؤية مستقبلية، حدثنا أكثر عن هذا اللقاء؟

اليمن موقع هام جداً بالنسبة إلى السعودية وعدد آخر من دول الخليج، هناك حدود مترامية الأطراف بين اليمن والسعودية، وعلى مدى السنوات الماضية تشكل ما يسمى الإرهاب الإقليمي والدولي واتخذ من اليمن قاعدة له، والحرب التي تُخاض حالياً قدّر البعض أنّها لن تدوم أكثر من بضعة أسابيع. وبالنسبة إلى المقابلة التي أجريتها مع الملك فيصل والتي كان موضوعها الأساسي اليمن، فقد قال الملك فيصل خلالها: «إنّ حرب اليمن لليمنيين وحلها بين اليمنيين بأنفسهم»، وهذه دعوة صريحة إلى عدم التدخل في شؤون اليمن الداخلية. وقال أيضاً: «إنّ التدخل في اليمن عقد الموضوع، وعلام الانقسام؟ هل في تحرير اليمن. يا ليت هذه الدماء سُفكت في سفوح تل أبيب. نحن لن نرسل قوات برية إلى اليمن لتقاتل اليمنيين وليس من رابح وخاسر فالجميع خاسرون».

حرب اليمن مرشحة للمزيد من التطورات الدراماتيكية، وهناك معلومات مؤكدة تفيد بأنّ اليمن معرض للتقسيم ضمن الخط التقسيمي في المنطقة، والمشروع الذي أعدّ لتقسيم اليمن يقسمه إلى ستة أقاليم مستقلة. من يسيطر على اليمن تكون له اليد الطولى للسيطرة على المنطقة، وكما يقول أوباما: «أمننا القوي في أميركا يتوقف على ما يجري في حضرموت وفي الربع الخالي». الأمن الدولي أصبح مترابطاً من اليمن حتى واشنطن.

رغم خسائر التحالف البشرية والاقتصادية والعسكرية، الأزمة مستمرة. هل ستستمر الأزمة أم ندخل إلى حلّ سياسي؟

يجب أن نعي أولاً العلاقات الإقليمية التي يتمتع بها الحوثيون وأنصار الرئيس علي عبد الله صالح الذي يملك نفوذاً داخل اليمن. إيران تدعم الحوثيين، منذ فترة، مقابل التحالف الغربي. هناك تيار آخر هو الخط الممانع الذي بإمكانه أن يطيل أمد الحرب المشتعلة لفترة معينة، وهيمنة مشروع التقسيم هاجس كبير على اليمنيين، والمشاريع التقسيمة لن تقتصر على خط معين. سورية عملياً مقسّمة، ليس بالمعنى القانوني، بل في مناطق نفوذ معينة، واليوم في الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس ـ بيكو، وبعد مرور مئة عام نحن نشهد تفاهمات غربية وشرقية تشبه إلى حدّ بعيد صيغة سايكس بيكو. الخط التقسيمي لن يقتصر على جغرافيا معينة، في سورية والعراق التقسيم واقع على الأرض، ليبيا واليمن تشهدان حروباً والخريطة مرشحة لتبدل جذري في تركيبتها. التقسيم لن يكون بقرار بل سيجري تكريس أمر واقع تفرزه الحروب يتمثل بكيانات طائفية ومذهبية وعرقية. التقسيم ليس حلاً مثالياً بل الحلّ المتاح حالياً بعد أن اصبح التعايش مستحيلاً.

هل يمكن أن نشهد تقسيماً يشبه الواقع اللبناني، أي توزيع الحصص طائفياً في الدول المتناحرة يكون أقلّ وقعاً من التقسيم الجغرافي؟ بمعنى لبننة العالم العربي؟

التقسيم لا يعني تقسيم الحدود، بل هو تقسيم داخلي وتوزيع للسلطة وعندما تتراجع قدرة الحكم المركزي على إدارة شؤون البلاد تتوزع المسؤوليات والصلاحيات والنفوذ على مجموعات معينة والحديث عن التقسيم ليس خلال أسابيع بل سنوات، التقسيم داخل الدولة الواحدة أو الدويلات وتعقد كلّ دولة تحالفات مع دول أكبر. في تركيا الآن، وبعد فشل رهانات أردوغان في المنطقة يجري التعاطي، بشكل مختلف ومن ناحية عسكرية مع حزب العمال الكردستاني لمنحه استقلالاً أقرب ما يكون إلى الحكم الذاتي، لكن ليس على الحدود المباشرة لتركيا. المنطقة حبلى بالأحداث، ونحن نشهد سايكس ـ بيكو آخر بعد مرور مئة سنة على اتفاقية سايكس ـ بيكو، وإعادة توزيع مناطق النفوذ، سيترك الكثير من التداعيات.

هل لديك قلق من الحراك الشعبي الذي يشهده لبنان؟

نعم لدي قلق على الوضع في لبنان، الحراك ردة فعل طبيعية على سياسات الفشل المتراكم ويعبر عن شعور بالامتعاض من مواطنين من مختلف المناطق اللبنانية ولم يأتِ من فراغ، لكن أخشى من هذا الحراك وأخشى عليه. أخشى عليه من تعدّدية دعاة التغيير وهذا ليس لصالح هذا الحراك. وفي المقابل الحراك عكس وجود فجوة كبيرة بين السلطة والشعب لا يمكن تجاهلها. هناك بعض الملاحظات على الحراك والقيمين عليه، لا يمكن المطالبة بتغييرات جذرية إلى هذا الحدّ كإسقاط النظام. هناك انفصام بين غالبية الشعب اللبناني والفريق الذي يحكم وليس بالسهولة أن تولد حركة تستطيع أن تستقطب جماعات عابرة للمذاهب والمناطق. على الدولة أن تعيد توزيع الإنماء بشكل عادل وأن تحلّ الأزمات. لبنان على مفترق بالغ الخطورة.

هل يمكن استغلال هذا التحرك، من قبل جهات خارجية، كما تمّ سابقاً استغلال تحركات شعبية في العالم العربي؟

علينا التنبُّه من أن يستغل الحراك من قبل فريق يسمى الطابور الخامس وفريق آخر يتربص شراً بلبنان، لذلك على الحراك أن ينظم أموره بطريقة عملية لمنع اختراقه من بعض الأطراف الإقليمية التي لها سياسات بعيدة المدى، وعلى الدولة أن تستجيب لمطالب المتظاهرين.

هل سينتظر لبنان حلّ الأزمات اليمنية والسورية والعراقية لينتخب رئيساً؟

لا أتوقع أن ينتهي الشغور الرئاسي قريباً، على الأقلّ حتى مطلع العام الجديد. نتحدث عن أجندة كانت مُعدّة. قبل الأحداث الأخيرة في موسم الحج وما تبعها كان مقرّراً أن تتم لقاءات منظمة بين الطرفين الإقليميين الأساسيين، أي إيران والسعودية، لتنعكس تلك اللقاءات علينا إيجاباً، لكنّ هذه اللقاءات تأخرت بسبب الأحداث في المنطقة. لذلك فإنّ الحلّ مؤجل ومدخله يبدأ برأس الهرم أي رئيس جمهورية. لسنا أولوية متقدمة وعلينا الانتظار بضعة شهور، لبنان عليه أن ينتهز الفرصة ويجد الحلّ. هناك بركان يشتعل ويقذف حممه في المنطقة، وعلى العقل اللبناني أن يعمل بذكاء وإخلاص للبلد لا أن يشتت قواه. أوقفوا الكيدية السياسية، الشراكة في الوطن لا تعني توزيع الحصص بل أن نبني الوطن.

يُبثّ هذا الحوار كاملاً اليوم الساعة الخامسة مساءً ويُعاد بثه الحادية عشر ليلاً على قناة «توب نيوز» على التردّد 12034

2015-10-08
عدد القراءت (11827)