حوارات توب نيوز أكدا لـ«توب نيوز» و «البناء» أنّ السويداء تجاوزت الفتنة والرهان على قدرة العقلاء لضبط الأمور

حاورهما سعدالله الخليل

لطالما شكلت محافظة السويداء نموذجاً فريداً في التعاطي مع السياسة، نجح خلال السنوات الخمس من عمر الأزمة السورية في تجنيب المدينة ويلات المواجهات والدمار. ورغم محاولات التنظيمات الإرهابية الدخول إلى المحافظة، فقد فشلت محاولاتها كافة لغياب الحاضنة الشعبية، وهو ما دفع بالساعين إلى تفجير الأوضاع في المدينة إلى لعب ورقة الفتنة المذهبية عبر اغتيال الشيخ وحيد البلعوس.

التطورات في السويداء وأبعاد اغتيال البلعوس، ناقشه الحوار المشترك بين صحيفة «البناء» وشبكة «توب نيوز» مع أمين سرّ هيئة العمل الوطني الديمقراطي ميس كريدي والكاتب والمحلل السياسي الدكتور فايز عز الدين.

الابتعاد عن الفتنة

رأى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور فايز عز الدين أنّ التفجير الإرهابي الذين استهدف موكب البلعوس «كان مخططاً له ليحدث تفجيراً آخر، وهذا يعدّ من أقذر العمليات ونتج عنه استشهاد 38 شخصاً و62 جريحاً». وقال: «ما حدث كان مروعاً واستدعى استنكار كلّ أبناء السويداء الذين يجاهدون للابتعاد عن الفتنة لأنّ الجبل عصي على الفتنة ولا أحد يقبل بها لا من داخله ولا من خارجه». وأضاف: «إنّ تورط أحد يُخلع ويصبح غير مرغوب به من الجماعة التي تعتز بالشهامة والكرامة وصيانة الأرض والعرض».

ولفت عز الدين إلى أنّ إلقاء القبض بشكل سريع على أبو ترابة وما قدمه من اعترافات «أزالت الأوهام التي كانت فضائيات الفتنة تحاول زرعها، وخصوصاً أنّ هناك من حاول خلط الأوراق حتى تظهر في السويداء بوادر فتنة داخلية، وهذا مخطط له لدفع أهالي السويداء إلى الاحتراب».

وأشاد عز الدين بميزة أهالي السويداء بتحكيم العقل قبل العاطفة. وقال: «بصبر الناس توضح الموضوع ومن خلال الاعترافات التي قُدمت فهمت المحافظة بكاملها ما لذي حصل، وهذا يعني أنّ الكذب والتحايل من قبل الجهات المغرضة على هذا البلد قد أُسقطا بيدها وسقطت الرهانات كلها وفهم الناس».

وتابع: «أدرك الجميع حقيقة ما حصل ولم يتحقق ما أرادوه من توجيه التهم إلى الدولة السورية بأنها هي التي تقتل وتستهدف المدنيين، وأنها الطرف الوحيد الذي يحمي المدنيين. فالدولة حتى هذه اللحظة لم تعط أوامر بإطلاق النار على أي شخص مهما بدا منه الشغب، ونأمل أن يفهم الناس حقيقة الوضع وما تمّ التخطيط له».

تفرّد البلعوس

وتحدث عز الدين عن سبب اغتيال الشيخ وحيد البلعوس شخصياً وعن الغاية من اغتياله، لافتاً إلى الاعترافات التي قُدمت بأنّ البلعوس بدأ يتفرد برأيه ولا يقبل التعليمات، لأنهم رأوا أنّ البلعوس لم يكن بالنسبة التي يرغبونها. وقال: «الدولة تعرف تماماً من وراء البلعوس ومن وراء مجموعته التي نصَّبت نفسها لتقاتل وتدافع عن البلد، فالدولة لا تنقصها المعلومات وأنصار البلعوس تشكيل مسلح يريد أن يقاتل الدولة والدولة ليست لديها مصلحة بقتله».

وأضاف: «أنصار البلعوس يتحدثون أنهم مع الدولة والبلعوس وجه دعوات بعدم الانضمام إلى الجيش السوري والبيان الذي أعلنت فيه مجموعة مشايخ «الكرامة» أنّ السويداء محرّرة من الدولة والدعوة إلى إنشاء منطقة آمنة وفتح معبر حدودي لا يتعدى أوهاماً يدافعون عنها فالدولة قادرة وقوية وتملك الإمكانيات لإلقاء القبض عليهم حينما يخطئون». واعتبر «أنّ التحايل باتهام الدولة بات يعرفه أهالي السويداء، والجهات التي كانت تحلل موقع البلعوس وجماعته كانت تحتار كثيراً في أية خانة تضعه. قيل له ألف مرة إنك محسوب على وليد جنبلاط وكان ينكر ذلك ويقول لست من هذا الجانب، وخصوصاً أنّ جنبلاط كان يؤكد وجود صلة له مع البلعوس، فإذا كان ذلك صحيحاً فإنهم تأذوا من الجماعة التي كانوا على صلة بهم. وهذا يجعلنا نسأل: جنبلاط له صلة بالنصرة فكيف يقتلون من لهم صلة بهم»؟

لعبة سياسية

وأوضح أنّ البلعوس «لم تكن لديه سياسة واضحة ضدّ الدولة وأنّ سياسته تمثلت بالإشارة إلى أخطاء الدولة، كما أنّ عداءه المباشر للدولة لم يكن معلناً، والدولة بدورها، تعاطت معه ضمن سياسة الاستيعاب وضمن سياسة الإقرار بأنه إذا كان هناك خطأ في أحد الجوانب عندها ستقرّ الدولة بأنه خطأ والبلعوس كان يلعب لعبة سياسية».

وعن ولاء مدينة السويداء وانقسامها قال عز الدين: «السويداء ليست محسومة أو مقسومة بين مع وضدّ فأكثر من 99 في المئة مع الدولة ولا تتجاوز نسبة الضدّ 1 في المئة، ولا يشكل حراكهم حجماً اجتماعياً أو دينياً ولا سياسياً». وأضاف: «المحافظة برمتها تعرف أنّ أبناءها وإن أخطأوا فولاؤهم هو للدولة».

ورأى عز الدين أنّ تشييع البلعوس في الملعب البلدي التابع للدولة كان رسالة إلى لعالم بأنّ جميع الشهداء سواسية في نظر الدولة وأنّ المكان لم يشيع رجلاً بل كان تكريماً للشهداء ولو لم تكن الدولة راغبة بذلك لما تمّ».

ولفت إلى «محاولة بعض الأطراف التي أرادت أن تستغل التشييع للخروج بما يشبه المظاهرة الخارجة عن المخطط»، قائلاً: «رغم قلتهم تعاملت الدولة بروية معهم ولا يفكر أحد أنّهم عصيّون على الدولة وإن أرادت التعامل معهم بقسوة لما سمحت لهم بالخروج من الملعب».

شهداء السويداء شهداء سورية

واستهلت كريدي حديثها بالترحُّم على شهداء السويداء وكلّ شهداء سورية، ورأت أنّ الجرح في السويداء كبير وتمنت من أهلها في السويداء التحلي بالكثير من الحكمة والصبر وضبط النفس والقدرة على مواجهة الشدائد». وقالت: «أمامنا الكثير من الدماء فالدم الغالي يحتاج إلى الكثير من المسؤولية ومواجهة استحقاقاته الكثيرة». وحول دلالات عودة التفجيرات إلى المشهد السوري رأت كريدي أنّ «من الطبيعي أن تتحول المواجهة إلى هذا الشكل من أنماط الحرب والإجرام لأنه حين لا تتحقق الغايات المرجوة، يراد المزيد من الفتن والمزيد من تفكيك النسيج الاجتماعي والنسيج السوري، وأتوقع أن يكون التفجير والتدمير لمفاصل فاعلة باتساع وتداخل الحرب السورية دولياً وإقليمياً».

ورأت «أنّ عودة التفجيرات والسيارات المفخخة إلى الظهور في المشهد السوري يعود إلى مخاوف لدى بعض القوى من أي حلّ سياسي في سورية وأن يحصل أي عامل من عوامل استتباب الحياة». وأضافت: «دائماً كنا نقول أنّ هناك من يعادي الحياة في سورية ويريد الموت للجميع».

درء الفتنة

وعن استثمار تفجيري السويداء واغتيال الشيخ وحيد البلعوس، أكدت كريدي «أنّ كلّ الأطراف المتصارعة تستطيع أن تستثمر في الدم». وقالت: «الشيخ وحيد البلعوس كان يشكل حالة شعبية لم تكن في عداء مع الوطن، وربما هناك بعض الطروحات لديه يخونها التعبير بناءً على آليات الفهم والتفكير لكنه كان يصرّ على التشبُّه بقيم الثورة السورية التي وقفت في وجه الاستعمار وهو معاد للاستعمار بالفطرة».

وعن دوافع التفجير لإثارة الفتنة في السويداء، أكدت كريدي أنه خلال زيارتها للشيخ وحيد في محافظة السويداء تركز اللقاء «على منع أي محاولة من المحاولات الخارجية لاختراق نسيج السويداء وفكها عن بنيان الوطن، ليس لأننا نتحسب من ذلك الأمر ونتوقع محاولات خارجية في هذا الموضوع، بل لأنّ السويداء ابنة الدولة وجزء من الوطن السوري، وهذا الموضوع لا يجوز المساس به لذلك كان يتركز الحديث عن التلاحم مع الدولة والوطن».

وتابعت كريدي: «رغم الأجندات المختلفة التي يمكن أن تغير التوجه الاستراتيجي لشخص أو أشخاص، بقيت السويداء محافظة على منطق الدولة رغم المحاولات الفاشلة لدخول الإرهابيين إليها خلال معارك مطار الثعلة. لم يخرج أهل السويداء لاستبدال فكرة الدولة ومنطق المواطنة بمنطق مذهبي أو عشائري، فالقيادات الروحية والشعبية قيادات محترمة شريكة في بناء النسيج السوري، وهناك خطوط حمراء يعرفها كلّ الوطنيين ومن يريد أن يتجاوزها عامداً، هناك ردّ عليه ومن يتجاوزها غباء أو بمحاولات إيقاعه في فخّ البحث عن الأمن والأمان فهذا يحتاج إلى تنوير وتوعية».

وتعقيباً على اعترافات أبو ترابة المسؤول عن تفجيرات السويداء وما تضمنته من اتهامات لـ«جبهة النصرة» و«الجيش الحر» بالتنسيق معه لتصفية الشيخ بلعوس، أوضحت كريدي أنه «لا يمكن اتهام شخص في عملية مدبرة من قبل استخبارات دولية». وقالت: «ربما يكون جزء من كلام هذا الشخص صحيح ويجهل الجزء الآخر، فالمهمّ هو الربط بين ما يقوله والوقائع هي مهمّة تحتاجها إلى الكثير من الإدراك والدراية والكثير من الحنكة والحكمة، فهذه القضية لا تعفي أحداً من المسؤولية لأنّ هناك قوة متصارعة تستثمر في الملف السوري، وحدود خيارتها الوطنية واضحة، وإنّ هذه القضية خطيرة ولا يمكن أن يكون شخص واحد وراء هذا العمل الاستخباراتي المدبر».

دور جنبلاط

أما عن دور النائب وليد جنبلاط فيما يجري في السويداء وتأثيره الوازن وحدود علاقته بالشيخ البلعوس ومشايخ الكرامة، أشارت كريدي إلى أنّ الشيخ بلعوس «كان يشعر بخطر يهدّد الطائفة، فالمسألة تحتاج المزيد من الحكمة والإدراك بأنّ الخطوات لن تكون عامل تأجيج لفتنة، وأنها ترفض العمل على أساس طائفي وأن تكون خياراتها وطنية فأي قضية أو معلومة في هذا الخصوص نستطيع أن نتداولها مع الأطراف التي تدرك مفهوم حدود الوطنية بعيداً عن الإعلام. ما ندركه أنّ المرجعيات في السويداء غير مرتبطة خارجياً، والقضايا المشتركة بينها هي القضايا الوطنية وعندما تكون القضية مذهبية لن تشترك بها، فالمهم هو الحفاظ على اللحمة الوطنية وإنّ دماء شباب السويداء غالية جداً وليست للاستثمار السياسي».

وراهنت كريدي «على قدرة العقلاء لضبط الأمور ومنع نسيج السويداء من الدخول في بوابة الفرز والانقسام بين مع وضدّ». ولفتت إلى أنّ «أغلبية المعارضين والنشطاء في السويداء ينطلقون من خلفيات وطنية، والدولة أيضاً يقع على عاتقها الكثير من المسؤوليات في ضبط هذه المسألة والمساهمة في إعادة الثقة للناس والتعاون الجدي. وهناك الكثير من الوطنيين يمكن التعاطي معهم بمنطق وطني ليكونوا درعاً حقيقياً للوطن في مواجهة أي مخاطر خارجية، وخياراتنا تتمثل بوحدة سورية والوقوف ضدّ إسرائيل. فأهلنا في الجولان يرفضون قرار الضمّ حتى هذه اللحظة، وأهل السويداء والجولان وطائفة الموحدين وطنيون وفي المعارك الوطنية لن يكونوا إلا حلفاء للمشروع الوطني».

مشروع وطني

بالانتقال إلى الشقّ السياسي والمشروع الوطني الكبير، رأت كريدي «أنّ ما تشهده الساحة السياسية من الاختراقات الدولية الواسعة والممنهجة قد توحي بجاهزية لبدء العملية السياسية. أما مسار هذه العملية ومداها وفترتها الزمنية فسوف تأخذ وقتاً، ما يفرض إيجاد حلّ لأنّ الخطر أصبح يهدّد المنطقة نتيجة تمدّد القوى المتطرفة التكفيرية، فالعملية السياسية طويلة لأنّ هناك مفاعيل كبيرة. الجاهزية الوطنية كانت قاصرة وهذا يحتاج إلى كثير من إعادة النظر في ترتيب الملفات الداخلية والخارجية».

وأضافت: «هنالك خطان أحمران لا يمكن لأحد أن يدفعنا لنعلو فوقهما وهما: وحدة سورية أرضاً وشعباً، والعداء للعدو الصهيوني».

وأكدت كريدي أنها ترحب «بانعقاد موسكو 3 وكلّ المسارات التي قد تفضي إلى جمع المعارضة المعتدلة لإنتاج حلّ سياسي أو عملية سياسية جادة». وقالت: «خياراتي في دمشق وسيكون هناك ميثاق شرف وطني يتفق عليه عدد من القوى الوطنية في سورية يعلن من دمشق وليست لدي خيارات مخابراتية لا داخل البلد ولا خارجها. وأرحب بحلّ كلّ القضايا حلاً عادلاً لكنّ معيار العدالة مرتبط بقرار الشعب السوري، وليس مرتبطاً بتوجهات بعض المعارضين الذين يتلقون إملاءات خارجية».

وأشارت كريدي إلى «أنّ البعض يعتقد أنّ الأجندات منتهية وخيارات الشعب السوري آخر اهتمامات القوى الكبرى وهذا كلام غير صحيح. فالأجندات في الكثير من الأحيان تجارب وأنابيب اختبار تطرح وما أن تلاقي دعماً تمرّ. وإن لقيت معارضة جدية لمرورها لا تمر. الاستسلام والانهزامية اللذين يتبعهما بعض المعارضين وبعض القوى المحسوبة على السلطة غير مبرّرة والمسألة ليست خارجية وحسب ومشروع جنيف دولي، وأدعو كلّ الوطنيين الشرفاء لأن يكلفوا بمواجهة كلّ هذه الأجندات».

الحلّ الإنساني عاجل

في الشأن الإنساني، وبعد خمس سنوات من الحرب على سورية، أكدت كريدي أنّ ما يحدث في سورية تدخلت الاستخبارات الدولية فيه والمكان الذي تستطيع فيه ميركل أن تضغط لصالح السوريين موجود وهو أن تتحدث مع الجهات الدولية لحلّ القضية السورية، والملف الإنساني ملف عاجل ومستعجل ولا أحد يستطيع أن يقف في طريقه، ولكن في هذا الملف نرى أنّ الدفع سياسي ومطلوب ضبط الأطراف المتلاعبة فيه، فالضغوط السياسية أفضل، وسنحاول مع بعض الدول الغربية لتشكيل محور اعتدال حقيقي للمعارضة».

وختمت: «يُراد للصراع في سورية أن يكون طائفياً، فالسوريون إلى الآن لم يقولبوا في هذا الإطار، فالوحدة الوطنية ما زالت لدى السوريين والعبث فيها خارجي ولا يقبل السوريون إلا الموقف الوطني. هذا العبث الخارجي هو لتقسيم سورية وإعادة إنتاج أنماط جديدة من التقسيم على أساس مذهبي لتأجيج الصراعات ويدرك السوريون أنها حطب النار للمعركة، والقضية تحتاج أن نفتح صدرنا للسوريين الراغبين بالعودة إلى وطنهم والخيار السوري سيكون البطاقة الحمراء في وجه القوى الدولية».

2015-09-09
عدد القراءت (11742)