حوارات توب نيوز سعد لـ «توب نيوز» و«البناء»: مبادرة بري تطرح قضايا جوهرية لكن تغيب عنها القضايا المعيشية

حاورته: روزانا رمّال

أيد رئيس التنظيم الشعبي الناصري النائب السابق الدكتور أسامة سعد الحراك الشعبي في الشارع، الذي اعتبر أنه ناتج عن معاناة حقيقية للشعب اللبناني، وقد يتطور حراكاً على مستوى الوطن وهذا أمر إيجابي. وأشار إلى أنّ بعض الملاحظات عليه لا يفقده مشروعيته وأحقية ما يطالب به ولا يعفي قادة النظام من مسؤولياتهم عن ما وصلت إليه الأمور على الصعد كافة.

ورأى سعد في الحراك خطوة إلى الأمام لتحقيق إصلاحات سياسية جدية وجوهرية في بنية النظام اللبناني، لكنه أبدى مخاوفه من دخول الدوائر الاستعمارية والرجعية العربية وتوابعها من القوى الداخلية على الحراك لاحتوائه وإجهاضه وتحويله إلى حرب أهلية كما حصل في الدول العربية.

وقال سعد في حوار مشترك بين صحيفة «البناء» وقناة «توب نيوز»: يجب ألا يغيب عن الحراك البعد الوطني، والذي يتمثل بقضيتين هما: خطر العدو الصهيوني وخطر الجماعات الإرهابية على لبنان، فضلاً عن التبعية والخضوع للإرادات الخارجية وممارسة دول نفوذها على لبنان وطبقته السياسية.

وانتقد تصريح وزير الداخلية نهاد المشنوق بأنه لن يسمح بالتعدي على الأملاك العامة، داعياً إياه إلى إزالة التعديات على الأملاك العامة في البحر والمرافئ والأنهار.

وأشار سعد إلى أنّ هناك نموذجان سقطا في عالمنا العربي، الأول نموذج السلطات والأنظمة القمعية، ونموذج التطرف الإسلامي والجماعات الإرهابية، موضحاً أنّ الشعوب العربية ستشقّ طريقاً ثالثاً غير التطرف وغير الأنظمة المستبدة بكلّ أشكالها.

وأوضح أنّ مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري تطرح قضايا جوهرية ومهمّة لكن تغيب عنها القضايا المطلبية والمعيشية.

من جهة أخرى، اتهم سعد جهات سياسية في الداخل برعاية حالة أحمد الأسير لتوظيفها في الصراع ضدّ المقاومة والنظام في سورية، محذراً من أنّ مخيم عين الحلوة يقع على خط المقاومة جغرافياً وتاريخياً وموقعه حسّاس، كما موقع صيدا، لافتاً إلى أنّ ظروفاً مؤاتية دفعت الجماعات الإرهابية إلى اللجوء إلى المخيم وجعله نقطة ارتكاز، وهي تتلقى الدعم والمساندة من جهات عديدة إقليمية ومحلية. كما لفت إلى تراجع اهتمام منظمة التحرير والفصائل بالمخيمات، وسياسية الحكومة التي تتعاطى مع المخيم كملف أمني وليس كوطني وإنساني.

وفي ما يلي نصّ الحوار كاملاً

ما رأيك بالحراك الشعبي الذي تفجر في الشارع؟

ـ إنّ مدينة صيدا والتيار الوطني الموجود فيها كانا مشاركين في كلّ المحطات النضالية على المستوى الوطني والقومي ومواجهة العدو الصهيوني وإطلاق المقاومة الوطنية اللبنانية واحتضان المقاومة الإسلامية، وعلى صعيد الانتفاضات الشعبية والعربية في مواجهة القهر والظلم والتبعية ودعم القضايا المطلبية الاجتماعية والاقتصادية التي تبرز أزماتها بين الحين والآخر، فضلاً عن موقف التيار الوطني في مواجهة التحالف الطائفي الرأسمالي الريعي المتحكم بمفاصل السلطة ولا يزال. التيار الوطني في مدينة صيدا كان دائماً حاضراً في كلّ محطات النضال للتخلص من النظام الطائفي الرأسمالي. أما فيما يتعلق بموقفنا من الحراك المستجدّ في بيروت والمناطق الأخرى والذي أطلقه مجموعة من الشبان ولاقى تجاوباً كبيراً من شرائح اجتماعية مختلفة، فهو ناتج عن معاناة حقيقية. هذا الحراك بدأ بمجموعة من الشباب وتحول إلى حراك جماهيري شعبي قد يتطور حراكاً على مستوى الوطن وهذا أمر إيجابي، وبعض الملاحظات عليه لا يفقده مشروعيته وأحقية ما يطالب به ولا يعفي قادة النظام من مسؤولياتهم عن ما وصلت إليه الأمور على الصعد كافة، وهم من أوصل البلاد إلى هذا الوضع. الحراك نابع من إهمال متماد ومقصود من قبل قادة النظام لمعالجة الأزمات، ونحن أمام مشهد يتعلق بإرادة شعب ناقم على الطبقة السياسية والتحالف الطائفي المذهبي الرأسمالي الريعي. نحن نرى أنّ الحراك خطوة إلى الأمام لتحقيق إصلاحات سياسية جدية وجوهرية في بنية النظام اللبناني ولا بدّ أن يشارك في تحقيقها كلّ الأوفياء والوطنيين والذين يحملون الفكر التقدمي المتنور.

رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون تخوف من أن يكون هناك ربيع عربي في لبنان وأن يتكرّر ما حصل في مصر وسورية، كيف يمكن برأيك أن يُستغل هذا الحراك في لبنان؟

ـ إنّ الثورات التي اندلعت في بعض الدول العربية والتي سُميت بـ «الربيع العربي» سببها معاناة الناس والدوائر الاستعمارية الصهيونية والرجعية العربية وتوابعها من القوى التي تتبع التحالف الاستعماري، من قوى دينية وليبرالية توظف لإجهاض الحراك الثوري الجذري والجدي الذي يحمل مطالب الناس وحقوقهم ليستعملها هذا التحالف وفقاً لأهدافه. إنّ دخول هذا التحالف عبر أدواته على الحراكات والثورات لاحتوائها وإجهاضها وتحويلها إلى حرب أهلية، لا يسقط مشروعيتها، وبصرف النظر عن المشهد المأساوي الذي نراه اليوم في الدول العربية، يجب ألا ننسى ما ارتكبته الأنظمة من ممارسات قهرية واستبدادية وتقصيرها على المستوى الاجتماعي والمعيشي. الثورات لم تحقق الأهداف المرجوة منها، كالحرية والديمقراطية والسيادة والحرية في الساحات العربية، لكنها أسّست لمبادئ سيكون حصادها لمصلحة الشعوب. نحن أمام نموذجين سقطا في عالمنا العربي، الأول نموذج السلطات والأنظمة القمعية التي فشلت في تقديم ما تطلبه الشعوب، والثاني هو التطرف الإسلامي والجماعات الإرهابية التي تحاول أن تفرض نفسها كبديل، لكنّ الشعب العربي في النهاية سيشقّ طريقاً ثالثاً غير التطرف وغير الأنظمة المستبدة بكلّ أشكالها.

لاحظنا أنّ حزب الله لم يتبن هذا الحراك حتى الساعة، بل هو في حالة ترقب ويبدي مخاوفه من أن ينجرّ هذا التحرك إلى الفوضى. ونذكر أنه في العام 2010 وقف السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان أمام الكونغرس الأميركي وقال: هناك شعب لبناني من مجتمع مدني يُعوَّل عليه ولقد أنفقنا 500 مليون دولار لتشويه صورة حزب الله، إذا أضفنا عليه شعار بعض الحراك «كلن يعني كلن» بما يعني شمول الأمين العام لحزب اللله السيد حسن نصرالله، ما رأيك؟

ـ الأميركي كان أول من دخل على حركة «الثورات العربية» في أكثر من بلد وعمل على توجيهها بالشكل الذي يخدم مصالحه وأهم مصلحة له هي أمن «إسرائيل» واستمرارية السياسات الليبرالية في لبنان والعالم العربي والتي تعتبر واقعنا العربي مجرد كتلة بشريه هائلة تستهلك ما تنتجه وهي، بدورها، تنهب ثرواتها. لذلك، فإنّ المقاومة تشكل خطراً كبيراً على أميركا، كما أنّ نهضة الأمة وامتلاكها قرارها وإرادتها واستعادة حريتها وبناء مستقبلها وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل تشكل خطراً عليها وهذا شكل آخر من أشكال المقاومة مع العدو. نحن لا نريد إحباط شبابنا بتصريح من فيلتمان أو غيره ونخفي المعاناة وفشل القيادات السياسية في معالجة أزمات البلد. الأميركي له مصلحة في إفشال أي حراك شعبي في لبنان، ونحن ضدّ المسؤولين في النظام اللبناني الذين تربطهم علاقات مع أميركا التي تتدخل في الحراك عبر أدواتها، ومن بين الأدوات هؤلاء المسؤولون أنفسهم، بالإضافة إلى هيئات أهلية وأجهزة أمنية مرتبطة وأحزاب سياسية ورجال أعمال وخبراء اقتصاديين مرتبطين بأميركا. الأميركي يملك هذه المنظومة ويشغّلها، لكنّ هذا لا يعني أن نسلم بواقعنا بل أن نواجهه ومنظومته.

هناك قناتان تنقلان الحراك مباشرة على الهواء، «أل بي سي» و«قناة الجديد»، رغم أننا نعرف أنهما تعانيان من أزمات مالية حلت بهما قبل الحراك، برأيك هل هناك تدخل خليجي يقف خلف هذا الحراك؟

ـ لا معلومات لدي تؤكد وقوف دولة خليجية خلف الحراك، الوزير نهاد المشنوق قال ذلك ثمّ أسكته الرئيس سعد الحريري، وأنا لا أستبعد ذلك، لأننا رأينا هذه الأدوار في سورية والعراق واليمن وغيرها.

شباب التنظيم الناصري مشاركون في الحراك، ما هو دوركم كقيادة لهذا التنظيم لتوعية الشباب، وسط الخشية من أن لا تجرّ جهات معينة هذا الحراك إلى الفوضى؟

ـ نحن، كشباب التنظيم الناصري، مشاركون في الحراك بقوة، لكن يجب أن نبذل جهداً في هذا المضمار. شبابنا كبقية الشباب اللبناني يعانون من الوضع القائم، ونحن دائماً كنا نبادر إلى تحركات شعبية ومحطات نضالية، لكننا نؤكد على ألا يغيب عن الحراك البعد الوطني، وهذا البعد يتمثل بقضيتين مطروحتين خطيرتين وداهمتين هما: خطر العدو الصهيوني وخطر الجماعات الإرهابية على لبنان، فضلاً عن مسألة التبعية والخضوع للإرادات الخارجية وممارسة دول نفوذها على لبنان وطبقته السياسية. الحراك يطرح قضايا عديدة غير موحّدة وهذا طبيعي لأنّ أزمات البلد وصلت إلى حدّ كبير، والمشاركون في الحراك شرائح مختلفة تحت عناوين ومطالب متعدّدة يجب أن تتبلور.

يبدو أنّ الحراك منقسم على نفسه، بين حملة «طلعت ريحتكم» التي يشكك كثيرون بها، وحملة «بدنا نحاسب»، وهناك خلافات في أولويات المطالب حتى وصلنا إلى الهجوم على وزارة البيئة. هل ترى ذلك طبيعياً وديمقراطياً؟

ـ نعم أراه ديقراطياً أن يطالب الشعب باستقالة وزير البيئة وأن يتحمّل مسؤولياته، وخصوصاً أنه هو المكلف بهذا الملفات. التوجه نحو وزارة البيئة مشروع، لأنّ أساس الحراك هو ملف النفايات والمناقصات التي كرست المحاصصة ووزير البيئة كان يعرف أنّ مكبّ الناعمة سيقفل في 17 تموز ولم يقم بأي خطوة لكي يتدارك هذا الاستحقاق والحكومة ومن يقف وراءها من قادة النظام مسؤولون أيضاً لإهمالهم هذا الأمر الحياتي المهم.

يُقال أنّ الحراك تمّ افتعاله لتنفيذ مخطط في لبنان، على غرار ما جرى في إيطاليا وكان أساسه ملف النفايات الذي يثير حفيظة الناس. ما رأيك؟

ـ إذا كان هذا صحيحاً، فهو يعني أنّ الحكومة متورطة وقادة النظام أثاروا النقمة الشعبية عليهم عن قصد، فليتحمّلوا نتيجة هذا الأمر، لأنه يعني أنهم متآمرون على أمن واستقرار البلد.

منذ أيام دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى حوار وطني، ووافقت كلّ الأقطاب وافقت على المشاركة، فهل ترى فيه إنقاذ للبلد؟

ـ مبادرة الرئيس بري لها علاقة باستيعاب الأزمة وتبريد الأجواء حتى نضوج الظروف الخارجية للحلول التي يجب أن تأتي استجابة لمطالب الناس بالإصلاح السياسي وإقرار قانون انتحاب وإجراء انتخابات. هناك شغور في رئاسة الجمهورية ومجلس النواب ممدّد له والحكومة معطلة، في ظلّ أزمات اقتصادية ونقمة وانتفاضة شعبية وحرائق مشتعلة في المحيط. كنا نفول لا بدّ من تحصين الساحة الداخلية، سياسياً وشعبياً واقتصادياً، كي لا نفاجأ بشيء ولكن لا أحد استجاب لدعواتنا بل كانوا ينتظرون الحروب الخارجية. الرئيس بري دائماً كان يبادر إلى خطوات كهذه لتبريد الأجواء وتخفيض مستوى التوتر، والحوار الذي يدعو إليه يطرح قضايا جوهورية ومهمّة لكن يغيب عنه القضايا المطلبية والمعيشية. وقد قيل أنها ليست مواضيع خلافية بل كلنا مع هذه المطالب، وهذا نوع من النفاق.

هل تعتقد أنّ الحلّ يبدأ في إجراء الانتخابات النيابية، وهل يجب أن يحاسب المواطن المسؤولين ويحجم عن انتخابهم؟

ـ السياسييون يضعون المواطن في ظروف قاهرة لا يستطيع الخروج منها، وتأطير المواطنين مذهبياً ومناطقياً بالمصالح والخدمات، وقانون «الستين» المتخلف الطائفي والمذهبي كرّس الانقسامات المذهبية والطائفية وفرض على المواطنين أن ينتخبوا وفق عصبياتهم الطائفية والمذهبية. يجب أن ننخرط مع الشباب الذي ينتفض على هذا الواقع في هذا الحراك لتحقيق إصلاح سياسي حقيقي وليس من أجل إثارة الفوضى، كما يزعم البعض.

يقال أنّ هناك تحركات في المناطق واقتحامات، هل تتخوفون من اقتحام سراي صيدا مثلاً؟

ـ هذا عمل ديمقراطي، وبدل أن يعلن وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق أنه لن يسمح بالتعدي على الأملاك العامة واقتحامها، كان حرياً به أن يذهب لإزالة التعديات على الأملاك العامة على البحر والمرافئ والأنهر. نحن لا نبرّر الفوضى لكن لا أحد يتهم المواطنين بارتكاب المخالفات، في وقت يكون هو المرتكب.

مخيم عين الحلوة يتفاعل مع كلّ ما يحصل في الخارج بطريقة موازية، لا سيما مع تخفي إرهابيين كأحمد الأسير فيه والذي أقرّ بأنّ هناك متورطين معه من سياسيين ودول، ثم جاء حراك الشارع ليغطي على ملف الأسير واعترافاته، كيف يُفسر ذلك؟

ـ قبل حركة الأسير وأمثالها، واجهنا مشكلة مع جماعة «جند الشام» التي كانت تتواجد على حدود تعمير عين الحلوة، حتى قبل «فتح الإسلام» وقبل الأزمة السورية، ودعمتها جهات سياسية راعية لتوظيفها في أكثر من اتجاه، لا سيما في الصراع ضدّ المقاومة وضدّ النظام في سورية، ولا تزالت مستمرة في إذهان الكثيرين، وهذا قرار دولي ـ إقليمي، وحالة الأسير شاذة وبعض الأطراف تعاطى معها إيجاباً وقد شكلت جهات رسمية بعض الغطاء والحماية له، وصولاً إلى تغطية تجاوزاته في صيدا التي كان المتضرّر الأكبر منها أبناء المدينة، ثم حصلت معركة عبرا. والسؤال: كيف خرج أحمد الأسير وفضل شاكر من المربع، ومن أخرجهما ولماذا؟ كان المربع مطوقاً بالكامل، ورغم ذلك تخفى الأسير في صيدا برعاية سياسية معينة ثم تنقل متنكراً يدخل إلى المخيم ويخرج منه، وفي الفترة الأخيرة كان ناقماً جداً على جماعة الحريري على أساس أنهم تخلوا عنه في معركة عبرا وأنّ سعد الحريري أعطى الضوء الأخضر لضربه، لكن لا نعرف إذا كانت الجهة التي تدعم الأسير قد سحبت يدها منه أم أنها لا تزال تدعمه.

إلى أي مدى تشكل الاشتباكات في المخيم خطراً على المدنية والجوار؟

ـ مخيم عين الحلوة هو حيّ من أحياء مدينة صيدا وهناك تداخل لبناني ـ فلسطيني. وعين الحلوة على خط المقاومة، جغرافياً وتاريخياً، وموقعه حساس كما موقع صيدا. الجماعات الإرهابية في المخيم لم تنشأ اليوم بل إذا عدنا إلى أحداث الضنية، نجد أنّ هذه الجماعات بدأت في الشمال ولجأ بعضها إلى المخيم. هناك ظروف مؤاتية دفعت هذه الجماعات إلى اللجوء إلى المخيم وجعله نقطة ارتكاز لعملها وقد تلقت الدعم والمساندة من جهات عديدة إقليمية ومحلية. ومن المؤسف أنّ اهتمام منظمة التحرير والفصائل بالمخيمات قد تراجع، وهذا التراجع كان لمصلحة الجماعات الإرهابية، فضلاً عن سياسية الحكومة اللبنانية التي تتعاطى مع المخيم كملف أمني، وليس كملف وطني سياسي إنساني وقضية شعب.

2015-09-04
عدد القراءت (11649)