حوارات توب نيوز حطيط لـ «توب نيوز» و«البناء»: خطر السفارات يُحدق بالحراك الشعبي لتشويهه وأخذه إلى الفوضى

حاورته روزانا رمّال

أكد الخبير الاستراتيجي العميد الدكتور أمين حطيط «أنّ الظاهرة الشعبية الاحتجاجية في لبنان ظاهرة منطقية وطبيعية وينبغي أن تُؤيد وتُدعم، لكنه شكك في أن تكون بالحجم الذي يضغط ويؤثر على السلطة ويدفعها باتجاه التغيير»، وردّ السبب إلى «وجود ثلاثة أنواع من الاصطفافات في لبنان: السياسية الخارجية والسياسية المصلحية واللاصطفاف وعدم التنظيم، ووضع الحركة الشعبية في الفئة الثالثة، لكنها تبقى تشكل وخزاً معيناً يدفع السلطة إلى الحذر».

وفي حوار مشترك بين صحيفة «البناء» وقناة «توب نيوز»، حذر حطيط «من الخطر الذي يحدق بهذا الحراك جراء اتصال بعض الأشخاص في السفارات مباشرة ببعض الأطراف في التحركات لتشويه الصورة أو احتواء المشهد وأخذه إلى الفوضى، كما فعلت السفارات الأميركية في خضم الحريق العربي».

وتطرق حطيط إلى الشأن السوري، وأكد «أنّ معيار انتصار المقاومة وخطها في سورية هو وقف إطلاق النار والدخول في الحلّ»، لافتاً إلى «أنّ الرئيس بشار الأسد هو على رأس السلطة والعكس يعني أنّ المحور المعادي انتصر». ورأى «أنّ الحلّ في سورية لم يحن أوانه بعد، لكنّ مرحلة إسقاط سورية بالحرب الحاسمة انتهت»، جازماً بأنّ «القناعة الأميركية لبقاء الأسد تشكلت في منتصف العام 2014، بالاستناد إلى ثابتتين، الأولى أنّ إسقاط سورية بالحرب الحاسمة أمر مستحيل، والثانية أنّ إعادة الأمن والاستقرار إلى سورية من دون الرئيس بشار الأسد أمر مستحيل أيضاً».

وأوضح حطيط «أنّ أميركا اليوم لا تريد التخلص من داعش بل إنتاج بيئة تمكنها مستقبلاً من احتواء هذا التنظيم عندما يحين وقت الحلّ في سورية الذي تجري تهيئة البيئة الدولية له».

وأعرب حطيط عن اعتقاده بأنّ الاتفاق النووي «شكل اعترافاً دولياً بإيران ككيانٍ سياسي مستقل خرج عن سيطرة ونفوذ الشرق والغرب، في حالة استقلالية فريدة من نوعها لم تتشكل منذ العام 1945».

وحذر من المفاوضات التي تحصل الآن في الدوحة بين حركة حماس و«إسرائيل»، معتبراً أنّ «أي اتفاق يتمخض عنها ستكون نتائجه كارثية على المقاومة الفلسطينية أكثر من اتفاق أوسلو، وإجهاض المقاومة من الداخل ما يدفع نحو حرب أهلية في غزة».

وشدّد حطيط، في الوقت نفسه، على «أنّ القضية الفلسطينينة محتُضنة من محور المقاومة، لأنه بات يشكل مجموعة استراتيجية مُعترف بها دولياً دخلت إلى النظام العالمي الجديد وإيران حلقة أساسية من حلقاته».

وفي ما يلي نصّ الحوار كاملاً:

ما هي رؤيتك لما يجري في الشارع من حراك شعبي في لبنان؟

ـ ما نشهده في الشارع هو ردة فعل شعبية منطقية على وضع لبناني لا يمكن أن يريح أحداً، فلم يكن أحد يتصور أن يصل واقعنا إلى عجز بمستوى عجز الدولة عن رفع النفايات من الشوارع، ومن الطبيعي أن يعبر الشعب عن رفضه لهذا العجز من السلطة. الظاهرة الشعبية ظاهرة منطقية وطبيعية وينبغي أن تؤيد وتدعم حتى يقول المواطن لرجل السلطة بأنك لست حراً في اتخاذ قرار يؤذي الشعب. لكن هل هذه التحركات الشعبية هي بالحجم الذي يضغط ويؤثر على السلطة ويدفعها باتجاه التغيير؟ أشكّ في هذا الموضوع، ورغم أنني أتمنى أن تكون هناك قدرة شعبية على استعادة القرارالسيادي وممارسة الاستقلال الحقيقي، لكنّ هذا غير متوفر في لبنان، وخصوصاً أنّ هناك ثلاثة أنواع من الاصطفافات: السياسية الخارجية ومنها السياسية المصلحية ومنها اللاصطفاف وعدم التنظيم، والحركة الشعبية تأتي في الفئة الثالثة، لذلك أشكّ في أن تؤدي إلى تحقيق الأهداف الرئيسية من انطلاقتها لكنها تبقى تشكل وخزاً معيناً يدفع السلطة إلى الحذر.

ألا يشكل هذا الحراك فرصة حقيقية لتتعظ السلطة السياسية مما يجري من أزمات؟

ـ لو انتظم من يلتزم في الاصطفافين الخارجي والمصلحي الداخلي لدعم الحركة الشعبية لكان أملنا في تحقيق المطلوب أكثر بكثير، لكنّ من هم في الاصطفاف الداخلي المصلحي يخشون ولا يقدمون لها الدعم ويخافون على عروشهم، ونحن لسنا دولاً تنتجها الحالة الشعبية، بل الديمقراطية شكلية ومرفوضة وليست مختارة والنتاج الذي يأتي إلى الحكم لا يعبر عن الإرادة الشعبية الحقيقية، والمكونات الموجودة في المجلس النيابي جاءت إما نتيجة الضغوط الخارجية وإما الغرائز الطائفية وإما المصالح المادية، ورغم الصدق الموجود لدى المتظاهرين في التعبير عن غضبهم، إلا أنّ الخطر يُحدق بهذا الحراك بسبب الاتصال المباشر للسفارات ببعض الأشخاص لتشويه الصورة أو احتواء المشهد كما فعلت السفارات الأميركية في خضم الحريق العربي.

لماذا تسمّيه الحريق العربي؟

ـ لأنّ التحرك الشعبي العربي بدأ شيئاً وتطور بصورة أخرى وانتهى بأمر مغاير لما بدأ. في البدء كانت ردة فعل شعبية على ظلم تمارسه السلطة، لكن سرعان ما تدخلت عناصر وأطراف مرتبطة بسفارات وحكومات ركبت الموجة، وعندما تطورت الأمور أصبحنا أمام حريق كامل الأوصاف كما حصل في تونس ومصر وسورية والعراق، والآن في ليبيا التي لم تستطع أن تصل إلى مشروع دولة بعد أربع سنوات من الحراك.

هل تعتقد أنّ هناك بلداناً كان مخططاً لها أن تقع في هذا الحريق وأخرى أن تمرّ الأحداث فيها بهدوء وسلاسة؟

ـ ما حصل في هذا الحريق العربي يقسم إلى ثلاث مراحل، الأولى مرحلة الإرادة الشعبية الصادقة، الثانية الاستغلال الخارجي وركوب الموجة، والثالثة مرحلة الحريق التي تختلف من بلدٍ إلى آخر، وسرّ اختلافها هو أهمية هذا البلد بالنسبة إلى المشروع الصهيوـ أميركي ومدى ترويض هذه الدولة أو تلك. الحريق يضرم في البلد الذي تتمسك سلطته باستقلالها وسيادتها، والنموذج هو سورية. لماذا يركزون في الحلول التي يعتبرونها سلمية على موقع الرئيس بشار الأسد؟ لأنهم ربطوا نجاحهم أو فشلهم في الحرب ببقاء أو رحيل الأسد، لأنه يملك خطاباً سياسياً لا يوافق مصالحهم، ولديه رؤية استراتيجية واضحة موثقة بمعطيات علمية، لذلك لا يستطيع أن يقرّ لهم بمصالح في أرضه وفي المنطقة أو أن يسلم لهم بأن يكون تابعاً. إنّ معيار انتصار المقاومة وخطها في سورية هو أن توقف إطلاق النار والدخول في الحلّ والأسد على رأس السلطة، لأنّ العكس يعني أنّ المحور المعادي انتصر، فبقاء الأسد تعدى الجانب الشخصي إلى الرمزي، أي الانتصار أو الهزيمة.

هل تعتبر أنّ الرهان الغربي على تحرك الشعوب يشكل فرصة للولايات المتحدة للتدخل في شؤون دولة خصم لها كما حصل في الحراك الذي حصل في الصين وروسيا؟

ـ من ضمن استراتيجيات الولايات المتحدة في التعامل مع دول العالم، الاستراتيجية الناعمة وقد اعتمدت من خلالها الثورات الملونة وكانت تحرك فئات شعبية تديرهم من خلف الستار ويأتون إلى السلطة ثم ينقلبون على الواقع الشعبي السيادي. وحققت هذه الاستراتيجية نجاحاً أكثر من الاستراتيجيات الأخرى، لكن كان فشلها في لبنان وإيران. ففي لبنان كان نجاحها موقتاً من العام 2005 إلى 2008 ثم فشلت بعد 7 أيار، وفي إيران جربت أميركا في العام 2009 لكنّ الشعب الإيراني التفّ حول القيادة. بعد ذلك انتقلت أميركا إلى الحريق العربي ولكن لم تحقق حتى الآن السقف الذي تريده في المنطقة. سورية هي العنصر الثالث الذي أضاف إلى فشل الأميركي فشلاً جديداً. صحيح أنّ مرحلة الحلّ في سورية لم يحن أوانها بعد، لكنّ مرحلة إسقاط سورية بالحرب الحاسمة انتهت.

ـ هل وصل الأميركي إلى قناعة حقيقية بأنّ الرئيس بشار الأسد باقٍ؟

القناعة تشكلت في منتصف العام 2014، باتت واشنطن تدرك جيداً أنّ هناك ثابتتين، الأولى أنّ إسقاط سورية بالحرب الحاسمة أمر مستحيل، والثانية أنّ إعادة الأمن والاستقرار إلى سورية من دون الرئيس بشار الأسد مستحيلة، وقد خرج الرئيس باراك أوباما ليقول إنّ «التفكير بحلّ من دون الرئيس الأسد ضرب من الخيال.

أميركا تعلم أن لا حلّ في سورية من دون الرئيس الأسد إلا بالحسم العسكري، لا سيما أنّ محور المقاومة أبلغ، برسائل قاطعة، أميركا ومن يدور في فلكها، أنّ الأسد يشكل رمزية نتيجة المواجهة وبما أننا نملك القدرات التي تمككننا من متابعة المواجهة، ونعرف أنّ الحرب الحاسمة لن تمكن أميركا من الوصول إلى أهدافها، فإننا لن نقبل بإسقاط الأسد. أميركا اقتنعت بأنّ وجود الرئيس السوري ضروري في الحلّ، المرحلة الانقالية التي نعيشها الآن ليست وظيفتها حجب الأسد، بل غاياتها ثلاث: الأولى التخلي عن وسائل الحرب التي ستزعج عند السلام، ومن أجل ذلك تسعى أميركا إلى تكتيل القوى لمحاربة تنظيم «داعش»، لكنها اليوم لا تريد التخلص من التنظيم بل إنتاج بيئة تمكنها مستقبلاً من احتوائه عندما يحين وقت الحلّ، لأنّ أميركا تحتاج قبل الحلّ إلى ورقة «داعش» لتستعملها ورقة ضغط رئيسية على طاولة التفاوض. المرحلة الثانية هي مرحلة تضخيم الأوراق التحالفية وتحجيم أوراق الخصم، أما الثالثة فهي تحضير بيئة ما بعد الحلّ. في الملف النووي الإيراني الخطوط الرئيسية كانت منتهية من آذار 2014، لكنّ أميركا بقيت 15 شهراً تعدّ البيئة التي ستتلقف الحلّ وتقبله، وهي تريد الآن تهيئة البيئة الدولية لمرحلة الحلّ في سورية. تصنع في المرحلة الانتقالية بيئة الحلّ، وأثناء هذه المرحة ينبغي ألا نُفاجأ بالتصعيد أو المواقف الحامية والسقوف العالية وهي دائماً تسبق مرحلة الحلّ.

الرئيس الأميركي باراك أوباما قال منذ فترة لـ «سي أن أن» أنّ الاتفاق النووي الإيراني «يفتح أمامنا آفاق الحلّ في سورية»، هل يضع أوباما نفسه في الموضوع السوري تلقائياً تحت سقف الاتفاق النووي؟

ـ توقيع الاتفاق النووي جاء متلازماً مع القناعة بضرورة إيجاد حلّ للأزمة السورية، رغم أنّ إيران رفضت مناقشة أي ملف قبل توقيع الاتفاق، لكنّ الولايات المتحدة كانت تنظر بعين إلى الاتفاق النووي، وبعين أخرى إلى ملفات المنطقة. لو وجدت أميركا أنّ سورية ستسقط، هل يصدق أحد أنّ أميركا ستعطي حليف سورية المنهارة ما تريد في الملف النووي؟ لولا علم أميركا بأنّ تكرار التجربة الليبية سيدفع إيران وحزب الله إلى التدخل ضدّ «إسرائيل» ودول الخليج لكانت فعلت وشنت حرباً على سورية، وعندما اقتنعت أميركا بأنّ الأسد باق ذهبت باتجاه الاتفاق النووي وبعدها أطلقت يد إيران في العمل بشكل مشترك لحلّ ملفات أخرى.

هل يوجد استعجال بريطاني بإعادة العلاقات مع إيران رغم أنّ الاتفاق النووي لم يمرّ في المسلك القانوني في الكونغرس؟

ـ التحرك البريطاني باتجاه إيران يعني أنّ بريطانيا واثقة بأنّ هذا الاتفاق لم يوقع لكي يلغى بل لينفذ لأنه مصلحة للطرفين، وما نشهده الآن هو تنافس حادّ على المصالح الاقتصادية بين الدول الغربية. إيران تشكل جنة اقصادية للعالم، لديها استثمارات تبلغ 160 مليار دولار خلال 5 سنوات ما يكفي لتعويم وتحريك الاقتصاد العالمي، وما حصل في الاتفاق النووي هو اعتراف دولي بكيان سياسي مستقل خرج عن سيطرة ونفوذ الشرق والغرب في حالة استقلالية فريدة من نوعها لم تتشكل منذ العام 1945.

كيف تنظ إلى موضوع التفاوض بين حركة حماس و«إسرائيل» بطريقة غير مباشرة في قطر، وكيف تقرأ طموح السعودية وتركيا للانتصار في الحرب رغم تغير الموقف الأميركي؟

ـ هؤلاء أتباع الولايات المتحدة، وطبيعة علاقة أميركا بالأتباع يرسمها سقفان: الأول، السقف الاستراتيجي الأعلى بحيث لا يشاركها في القرار أحد ولا تسمح لأحد من الأتباع أن يصل إلى هذا السقف ولا تعلمه بما تقرّر، وحتى الأوروبيين، بل تبلغه قراراً اسراتيجياً. والثاني، السقف الميداني المنخفض فأميركا لديها مرونة مستمدة من دستورها، تعطي اتباعها حرية الحركة ضمن السقف المنخفض تحت السقف الاستراتيجي ويشعر التابع أنه ليس تابعاً أو عبداً بل يملك حرية. ففي اليمن مثلاً، لولا القرارالأميركي لما استطاعت السعودية الذهاب إلى الحرب، رغم أنّ أميركا أشعرتها بأنها ذات قرار وسيادة وحرية ولكن في العمق هو قرار أميركي، الأتباع تحت السقف الاستراتيجي الأميركي، لكنّ أميركا تتنصل من المسؤولية المباشرة، فإذا حققت هذه الدول ربحاً فالربح لسيدها الأميركي، وإذا خسرت وحدها تدفع الثمن.

الآن تجري في الدوحة مفاوضات بين حماس و«إسرائيل» وإذا تمّ توقيع اتفاق بعدها بين الجانبين ستكون نتائجه كارثية على المقاومة الفلسطينية أكثر من اتفاق أوسلو، والذي تسرب حتى الآن أنّ المواقفة على الاتفاق سيجهض مقاومة الداخل ويدفع نحو حرب أهلية في غزة، لأنّ المطروح أنّ «إسرائيل» تريد وقف علميات المقاومة حدّ أدنى 10 سنوات وأقصى 25 سنة ووقف تصنيع الأسلحة على أي مستوى، وخصوصاً الصواريخ وتدمير الأنفاق ووقف تصدير الصواريخ من الخارج ووقف التدريب وإلحاق مقاومين ومنع عمليات فصائل المقاومة الأخرى، انطلاقاً من غزة مقابل أن تُعطى «حماس» السلطة في غزة معترف بها دولياً كما سلطة «فتح» في الضفة معترف بها، وممراً مائياً يربط غزة بقبرص التركية تحت إشراف تركي ـ «إسرائيلي» مباشر، وثالثاً تمويل إعادة إعمار غزة من قطر والسعودية والإمارات، وأن تتخلى «حماس» عن المقاومة، وإذا رفضت الفصائل الأخرى ذلك تنشب حرب أهلية في قطاع غزة تنتهي بضرب المقاومة. هذا الاتفاق يعني الإجهاز على المقاومة الفلسطينة من الداخل، لكن لا أحد يستطيع تصفية القضية الفلسطينية وكما خسرت «فتح» شرف المقاومة في «أوسلو»، ستخسر «حماس» شرف المقاومة في «الدوحة» ويخسر الفلسطينيون في الحرب الأهلية شرف المقاومة لتحرير فلسطين وبالتالي، هو نعي لمقاومة بدأت عام 1965 وتنتهي في 2015.

هل يمثل هذا الاتفاق خسارة إيرانية في قلب فلسطين؟

ـ إيران لا تتصرف على أساس أنّ قضية فسلطين شخصية، بل أنها لجميع المسلمين وتناصر القضية، والخسارة لا تكون لإيران بل للقوى التي تعمل للقضية. لكن ستبقى هذه القضية مُحتضنة من محور المقاومة، لأنّ هذا المحور بات يشكل مجموعة استراتيجة معترف بها دولياً دخلت إلى النظام العالمي الجديد ومعترف بقوته، وإيران حلقة أساسية من حلقاته.

2015-08-28
عدد القراءت (11692)