مانشيت البناء تلتزم نتائج الانتخابات... ولا وساطة فرنسية الحراك يتحوّل نسخة منقحة من 14 آذار: مواجهة عون ودعم الحريري مخاوف الانزلاق نحو سطوة الميليشيات تتسلّل مع قطع الطرقات وبناء الجدران

كتب المحرّر السياسي

سيطر مشهد بناء الجدران الإسمنتية داخل نفق نهر الكلب وعلى طريق الناعمة على ما عداه من مشاهد سياسية، رغم إزالة الجدران في ساعات متأخرة من الليل بعد اتصالات أجرتها قيادة الجيش وإدارة المخابرات وأجراها قادة الأجهزة الأمنية بجهات حزبية معلوم أنها كانت تقف وراء إقامة هذه الجدران. وقد أعاد المشهد إلى الذاكرة اللبنانية ذكريات الحرب الأهلية وتقطيع أوصال المناطق اللبنانية، وليس من باب الصدفة أن نقاط إقامة الجدران جاء مطابقاً لنقاط إقامة حواجز الخطف على الهوية، أو لخطوط تماس بين كانتونات افتراضية تقبع في عقول قادة الميليشيات.

في ظل الخوف من الانزلاق نحو الأسوأ جاءت تعبيرات الحراك الشعبي يوم أمس، لتزيد منسوب القلق مع ظهور المزيد من المؤشرات على نجاح الفريق الممسك بتنظيم أنشطة الحراك ورفع شعاراته، بتحويله نسخة منقحة عن حركة 14 آذار، حيث سقط شعار كلن يعني كلن مع تحوّل الحراك إلى أداة ضغط علنية، بألسنة المتحدثين على هواء الشاشات المكرّسة لمواكبة الحراك، لتحسين الوضع التفاوضي لرئيس الحكومة المستقيلة سعد الحريري، عبر اعتبار قضية الحراك تحديد موعد عاجل للاستشارات النيابية لتسمية رئيس جديد للحكومة، من دون أي تفاهمات تسبق التسمية بين الكتل النيابية المعنية بالتسمية، وكتلة الرئيس الحريري، لا بد أن تطال شكل الحكومة وبرنامجها.

لم يكن كافياً لتقديم الصورة المنقحة لـ 14 آذار بلباس الحراك جعل الأولوية للاستشارات النيابية وتسمية الرئيس الحريري، بل تحوّل الحراك إلى استعادة مشهد 2005 وحملة فل التي نظمتها قوى 14 آذار واستهدفت رئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود، فتعالت هتافات الساحات، بالدعوة لرحيل رئيس الجمهورية وانتقل بعضها إلى مدخل القصر الجمهوري، وخلافاً لكل معايير التوازن في المسؤولية عن الفساد، نال الحريري استثناء وأنزلت برئيس الجمهورية أشد العقوبات، ولم يبق ناقصاً ليكتمل المشهد سوى ظهور قادة 14 آذار بستعيدون خطبهم النارية في ساحة الشهداء.

في المشهد السياسي بقيت المراوحة في الاتصالات رغم الأخبار المتناقضة عن التقدّم والتراجع والتفاؤل والتشاؤم، حيث كلام وزير الخارجية جبران باسيل عن قرب تشكيل الحكومة جاء بعكس الأنباء المنقولة عن بيت الوسط حول تمسّك الرئيس الحريري بشروطه، فيما أكدت مصادر متابعة أن الوضع لم يعُد يحتمل المزيد من الوقت، وتوقعت أن تتبلور الصورة مع رحيل الموفد الفرنسي كريستوف فارنو وإنهاء مهمته الاستكشافية التي لم تتحول إلى وساطة، وقالت المصادر إن نهاية الأسبوع ستكون نهاية المهل للتفاهمات قبل تبلور الخيارات الأخرى.

لا يزال المشهد الحكومي ضبابياً إن لجهة استعداد الرئيس سعد الحريري لتكليفه تأليف الحكومة الجديدة وإن لجهة تحديد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون موعد الاستشارات النيابية، وإذ لم تتوصل المشاورات القائمة على كافة الخطوط الرئاسية والسياسية الى نتائج واضحة حتى الآن يصر الحريري على حكومة تكنوقراط صرف تتولى معالجة الشؤون الاقتصادية والمالية والاجتماعية ولا تتلهى بالمناكفات السياسية التي كانت تعرقل عمل الحكومة المستقيلة.

وأكدت مصادر قناة المنار أن الحريري يتجه الى الاعتكاف ورفض تأليف حكومة جديدة، وبحسب معلومات «البناء» فإن الحريري «يرفض فرض شروط عليه قبل بدء الاستشارات التي هي تحدد من شخصية الرئيس المكلف، وهو بالتالي يفضل إعلان الاستشارات من ثم تحدد الكتل النيابية موقفها وعلى أساسها يقبل التكليف أم لا»، وأكدت اوساط بيت الوسط أنّ «ما يشاع عن أن الحريري ابلغ الوزير علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين خليل باعتذاره عن تشكيل الحكومة غير صحيح، إنما الدقيق أن الحريري أبلغ «الخليلين» بتمسّكه بحكومة اختصاصيين فقط وهو لم يُكلَّف بعد ليعتذر عن اي شيء، وفي حال التمسك برفض حكومة الاختصاصيين فإن الحريري مستعد لاختيار شخصية سنيّة لرئاسة الحكومة». كما نفت المصادر المعلومات عن اجتماع سيعقد اليوم بين الحريري ورئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل.

وكان باسيل غرّد على تويتر قائلاً: واثق ان الناس الطيبين يريدون الاستقرار والإصلاح معاً في حمى الدولة والحرية، حرية التظاهر والتنقل معاً. كل نقطة دم تسقط تدمينا وتنبّهنا بأن لا يجرّنا أحد الى الفوضى والفتنة. اللحظة الآن لتشكيل حكومة تستجيب للناس وتكسب ثقة البرلمان، والاتصالات تبلورت ايجابياً. لا يجب ان تضيع الفرصة! .

ونقل النائب علي بزي عن رئيس مجلس النواب نبيه بري دعوته الى الحفاظ على الانتظام العام وتجديده المطالبة بالإسراع بتأليف حكومة حديدة وبتحمل الجميع مسؤولياتهم.

ونقل بزي عن بري قوله بعد لقاء الاربعاء: رغم أحقية معظم مطالب الحراك الحقيقي طالب بري بضرورة الحفاظ على الانتظام العام للمؤسسات التربوية والصحية ودعا الجميع الى صيانة السلم الاهلي والوحدة الداخلية . واعتبر بري أن المرحلة الراهنة تستدعي تحمل المسؤولية للجميع لانتشال الوطن من قعر هوية إن حصلت فلن يسلم من تداعياتها احد على الاطلاق .

وجدد مطالبته بتشكيل حكومة جامعة وقادرة على تحقيق أمنيات اللبنانيين بمكافحة الفساد والالتزام بالاصلاحات الاقتصادية وتطوير الحياة السياسية وجدد حذره من الوقوع في الفراغ السياسي.

في غضون ذلك، دخلت فرنسا على خط الأزمة اللبنانية، وجال مدير دائرة شمال أفريقيا والشرق الاوسط في وزارة الخارجية الفرنسية السفير كريستوف فارنو على المسؤولين، فزار برفقة السفير الفرنسي لدى لبنان برونو فوشيه، في قصر بعبدا، حيث التقى الرئيس عون الذي أبلغه أن الحكومة العتيدة ستلتزم تنفيذ الورقة الإصلاحية التي أقرتها الحكومة السابقة إضافة الى عدد من القوانين التي يفترض ان يقرها مجلس النواب في سياق مكافحة الفساد وملاحقة سارقي المال العام بعد رفع الحصانة عنهم. وأشار الى ان التحركات الشعبية القائمة حالياً رفعت شعارات إصلاحية هي نفسها التي التزم رئيس الجمهورية تحقيقها، ولكن الحوار مع معنيين في هذا الحراك الشعبي لا يزال متعذراً على رغم الدعوات المتكررة التي وجهها رئيس الجمهورية اليهم.

وشدد على انه سيواصل اتصالاته لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة، معرباً عن أمله ان يتحقق ذلك في وقت قريب ومكرراً خياره بان تكون الحكومة الجديدة مؤلفة من سياسيين وتكنوقراط لتأمين التغطية السياسية اللازمة كي تتمكن من نيل ثقة الكتل النيابية اضافة الى ثقة الشعب. وإذ أكد ان الاوضاع الاقتصادية تزداد تردياً نتيجة ما تمر به البلاد حالياً من تظاهرات وإضرابات، فضلاً عن التداعيات السلبية التي تركها نزوح اكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري الى لبنان. اعتبر ان بدء التنقيب عن النفط والغاز خلال الشهرين المقبلين سوف يساعد على تحسن الوضع الاقتصادي تدريجياً.

وأبدى فارنو للرئيس عون اهتمام بلاده بالوضع في لبنان وحرصها على سيادته واستقلاله وسلامة أراضيه ووحدة شعبه. كما اشار الى استعداد بلاده لمساعدة لبنان للخروج من محنته الراهنة.

وشدّد فارنو من عين التينة على ضرورة إيجاد الحل السريع، مع الإشارة الى ان فرنسا متمسكة بمساعدة لبنان ومؤازرته في شتى الميادين ومن بينها سيدر1 . وعرض بري مع الموفد الفرنسي البدء بالتنقيب عن النفط في «البلوك الرقم 4» قبل نهاية السنة وضرورة البدء بـ «البلوك رقم 9» قبل نهاية العام 2020. ووعد فارنو بنقل هذه الرغبة الى ادارة شركة «توتال».

وفي وزارة الخارجية أبلغ باسيل الموفد الفرنسي وجوب عدم دخول أي طرف خارجي على خط الأزمة اللبنانية واستغلالها ، مؤكداً أن مسألة تشكيل الحكومة هي داخلية، ووصلت الى مراحل متقدمة وإيجابية ، مشيراً الى ان لبنان ملتزم بمسار مؤتمر سيدر أياً تكن الحكومة المقبلة، وان التحدي هو بالإسراع في تنفيذه وتطبيق الإصلاحات المنشودة، وهو ما يشكل استجابة لمطالب الناس .

الى ذلك، واصلت سندات لبنان الدولارية تراجعها مع اندلاع احتجاجات جديدة وقطع الطرقات في لبنان، وأظهرت بيانات من تريدويب أن إصدار سندات يُستحق في 2037 انخفض 1.4 سنت، ليسجل تراجعاً بنحو تسعة في المئة منذ بداية الأسبوع الحالي.

2019-11-14
عدد القراءت (15501)