مانشيت البناء تمويل قروض الإسكان... وموازنة عجز صفر... ومشاركة من المصارف والمصرف المركزي

تمويل قروض الإسكان... وموازنة عجز صفر... ومشاركة من المصارف والمصرف المركزي
الحريري يحدّد نهاية العام موعداً لإنجاز سلة إصلاحية... وساحات الحراك تقرّر المواصلة
حزب الله رحّب بالخطة... و«القومي» لاستكمالها بقانون انتخاب لاطائفي بالنسبيّة والدائرة الواحدةكتب المحرّر السياسيّ

سيُكتب للحركة الشعبية في لبنان أنها فرضت على الحكومة تغييراً جذرياً في نهجها في التعامل مع الوضعين الاقتصادي والمالي، ومع العناوين الإصلاحية المتصلة بمكافحة الفساد وحماية المال العام من الهدر والنهب، وإقرار مبدأ وجود مال منهوب كان الإنكار سمة التعامل مع كل إثارة أو إشارة لوجوده، وبمعزل عن الإجماع الذي ساد ساحات الحراك على رفض التعامل الإيجابي مع المقرّرات الحكومية إلا أن بعض الذين أتيح لهم التعبير في ظل سيطرة قنوات إعلامية على احتكار النطق بلسان المتظاهرين وتحديد جدول أعمالهم، قالوا إن الثقة المفقودة بين الشعب والحكومة تجعل الشك بصدقية الحاكمين بتنفيذ وعودهم، لكن كثيراً من أصحاب منطق الثقة المفقودة اعتبروا عودة قروض الإسكان فرصة لتنشيط الحركة الاقتصادية آملين أن تترجم أفعالاً سريعة، وتمنوا أن يكون الحديث عن تسريع تنفيذ خطة الكهرباء صحيحاً ومثله عجز صفر في الموازنة وإجراءات التقشف التي أعلنها رئيس الحكومة سعد الحريري وحدّد لها نهاية العام كمهلة لوضعها قيد التطبيق، بينما أعلنت الساحات مواصلة حراكها، وبدا أن الامتحان الأهم سيكون اليوم في رؤية مدى التناسب بين الطابع السلمي مع الحراك من جهة، والدعوة لإغلاق الطرق بالقوة بوجه المواطنين من جهة أخرى، ومدى قدرة الجيش والقوى الأمنية على تأمين الحماية لتجمّعات الحراك من جهة، والصمت والتفرّج على فرض الإغلاق للطرق بوجه المواطنين، وهو ما ترى مصادر متابعة أن الجواب عليه محدّد قانوناً، بتأمين الساحات الآمنة لتجمع الراغبين بالاعتصام، وتأمين الطرق السالكة والآمنة للراغبين بالتنقل بين المناطق والذهاب إلى أعمالهم، ولذلك لن يكون أمام الجيش والقوى الأمنية مشكلة قانونية في تحديد المهمة إلا إذا دخلت السياسة على الخط.

على المستوى السياسي كان الامتحان الأهم هو اجتماع الحكومة، حيث في الخارج كانت قيادة حزب القوات اللبنانية تترقب موقف الحزب التقدمي الاشتراكي، الذي راهنت على مشاركته لها بالاستقالة لوضع رئيس الحكومة سعد الحريري بين خيارَيْ ترؤس حكومة تخلو من حلفائه التقليديين ولا تضمّ إلا حزب الله وحلفاءه، أو الاستقالة، وهذا ما كان مرجواً عند القوات أن تؤول إليه الأمور ولأجله قررت استقالة وزرائها، لكن حسابات بيدر الحزب الاشتراكي ورئيسه وليد جنبلاط كانت مخالفة لحسابات حقل القوات ورئيسها سمير جعجع. فأزمة الثقة بين الحكومة والشارع تشبه أزمة الثقة بين جنبلاط والأميركيين الذين وعدوا بتبني خطة لإسقاط رئاسة الجمهورية ومحاصرة حزب الله إذا تمّت محاصرة رئيس الحكومة بالضغوط لدفعه نحو الاستقالة، وليست المرة الأولى التي يختبر فيها جنبلاط وعوداً أميركية ويدفع ثمن تصديقها كما قالت مصادر مطلعة على موقفه، في توصيفه لتجربة السابع من أيار عام 2008، ففضل أن يأخذ على محمل الجدّ كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله باعتبار أن الهروب من المسؤولية سيعني الذهاب إلى المحاكمة لكل الذين تولوا الحكم خلال السنوات الثلاثين الماضية ويريدون الهروب من مسؤوليتهم في مواجهة النتائج ومعالجتها.

حسم جنبلاط أمره وحمل وزراؤه ورقة إصلاحية أشدّ جذرية من ورقة الحريري وخرجوا بعد الجلسة الحكومية يسجلون النقاط لما تمّ وما لم يتمّ لتقديم جردة حساب تبرر البقاء في الحكومة، بينما بقيت القوات وحدها خارجاً دون أن تجرؤ على الذهاب خطوة إضافية في تلبية طلب المتظاهرين باستقالة نوابها، مكتفية بالجلوس على المقاعد النيابية مع حزب الكتائب والمناداة بانتخابات نيابية مبكرة.

حزب الله الذي ثمّن عالياً الحراك الشعبي ودوره في فرض إرادته على الحكومة، وتسريع برامج الإصلاح، قيّم إيجاباً قرارات الحكومة، وتناغم مع كلام الحريري في تفهم عدم الثقة بين الحراك والحكومة، نافياً أي نيات لديه للتصادم مع الحراك وأن يكون أيّ من عناصره على صلة بأي عمل يستهدف التظاهرات والمتظاهرين ومثله فعلت حركة أمل، بينما علّق الحزب السوري القومي الاجتماعي على المقرّرات الحكومية باعتبارها خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح رغم تأخرها، مسجلاً النقص الأساسي فيها بغياب السير نحو إلغاء الطائفية. وهو ما نادى به المتظاهرون وعبّرت عنه الساحات، ولم يغب عنها كما غاب عن الحكومة السعي لقانون انتخابي خارج القيد الطائفي وفقاً للنظام النسبي ولبنان دائرة واحدة، وينتظر أن يمرّ اليوم هادئاً مع توقعات بقيام الجيش بفتح الطرق، وأن تليه دعوات لفتح المدارس والمصارف ليوم الغد، فيما ستستمر الساحات مفتوحة للراغبين بمواصلة التجمع في الساحات، التي أظهرت تراجعاً عن حشود أول أمس خصوصاً في بيروت، بعكس ساحة طرابلس التي سجلت الحضور الأشد كثافة.

أكد الحزب السوري القومي الاجتماعي أن اللبنانيين الغاضبين دفاعاً عن لقمة العيش والحياة الحرة الكريمة، فرضوا مطالبهم المحقة، والحكومة أذعنت، وأقرّت موازنة العام 2020 خالية من أية ضرائب جديدة، وأعلنت عن إجراءات لمحاربة الهدر والفساد والسمسرات واستعادة المال المنهوب، والتزمت عدم المسّ بحقوق الناس ومكتسباتهم وهذا من شأنه، الحدّ من تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية، على أن يقترن بدعم القطاعات المنتجة.

ولفت الحزب في بيان أنّ الإصلاح الشامل، يتطلب إرادة سياسة للانتقال من النظام الطائفي الزبائني، إلى دولة المواطنة اللاطائفية، وأنّ الوصول إلى الدولة المدنية اللاطائفية، يتمّ عن طريق تطبيق الدستور اللبناني، لا سيما المادة 95 منه والتي تنصّ على إلغاء الطائفية. وعن طريق سنّ قانون جديد للانتخابات النيابية على أساس لبنان دائرة واحدة واعتماد النسبية الكاملة خارج القيد الطائفي، وعن طريق قانون جديد للأحوال الشخصية، وغيره من القوانين الإصلاحية التي توحّد ولا تقسّم، وتضمن حقوقاً واحدة لجميع المواطنين. وأشار الى أن الخطوات الإصلاحية التي أقرّتها الحكومة اللبنانية غير كافية، ولكن الإصلاح الشامل لا يتحقق في ظلّ هذا النظام الطائفي، ما لم نذهب إلى تشريعات جديدة عصرية تؤسّس لقيام دولة المواطنة.

وكان مجلس الوزراء اجتمع في بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية ميشال عون وحضور رئيس الحكومة سعد الحريري وأقر جملة قرارات لإصلاح الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي. وأكد الحريري في كلمة له بعد الجلسة ان «الموازنة بعجز 0.6 من دون اي ضرائب». واعلن عن «حفض موازنة مجلس الجنوب والإعمار بنسبة 70 ، خفض رواتب الوزراء والنواب بنسبة 50 ، 160 مليون دولار لدعم القروض السكنية، إعداد مشروع قانون لاستعادة الأموال المنهوبة وقانون لإنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد والغاء وزارة الاعلام ووضع خطة لإلغاء المؤسسات غير الضرورية، إقرار المشاريع الاولى من سيدر لخلق فرص عمل خلال الـ 5 سنوات المقبلة»، وتابع: «القرارات التي اتخذناها لا تحقق مطالبكم، ولن أطلب منكم التوقف عن التظاهر ولا أسمح بتهديدكم وعلى الدولة حمايتكم لأنكم البوصلة».

ثم تلا أمين عام مجلس الوزراء محمود مكية، الإصلاحات التي تمّ اقرارها أبرزها الاسراع في تطبيق مندرجات مؤتمر سيدر، البدء بإشراك القطاع الخاص في شركتي الخلوي، إعادة إطلاق مشاريع اليسار والينور، إشراك القطاع الخاص في طيران الشرق الأوسط كازينو لبنان مرفأ بيروت ادارة حصر التبغ والتنباك ومنشآت النفط، تكليف وزارة المال القيام بجردة لكل العقارات المملوكة من الدولة وتقديم اقتراح للاستفادة منها خلال 3 أشهر، فرض ضريبة دخل على المصارف لسنة واحدة في العام 2020، تأمين الكهرباء بدءاً من النصف الثاني من العام 2020 وتصفير العجز، تعزيز الشفافية والحد من الفساد من خلال إقرار سلة من الاجراءات قبل 30-12-2019، العمل على اقرار مشروع قانون العفو العام، الموافقة على مشروع قانون موازنة العام 2020 والرئيس عون وقع مرسوم إحالة الموازنة الى المجلس النيابي.

الجلسة غاب عنها وزراء القوات اللبنانية الذين قدموا استقالتهم، وحصل سجال بين وزير الصناعة وائل ابو فاعور ووزير الخارجية جبران باسيل على خلفية ملف الكهرباء وتعيين الهيئة الناظمة للنفط، وأكد ابو فاعور ان وزراء اللقاء الديمقراطي خرجوا من الجلسة ولم يخرجوا من الحكومة. واعتبر ان القرارات التي اتخذت ربما تكون مفيدة ولكن نحتاج الى ما نخاطب المجتمع اللبناني به وما حصل اليوم غير كافٍ».

على المقلب الآخر، لم يتلقف الشارع قرارات الحكومة بل استمر تدفق المتظاهرين الى الساحات في مختلف المناطق اللبنانية لا سيما في بيروت، إذ احتشد الآلاف في ساحتي الشهداء ورياض الصلح في مشهد لم يختلف كثيراً عن الأيام الماضية، وأعلن المتظاهرون رفضهم لقرارات الحكومة وعدم ثقتهم بها مجددين مطلبهم بإسقاط الحكومة والنظام السياسي وتأليف حكومة جديدة.

كما اعتصم عدد من المتظاهرين أمام مصرف لبنان وقد تمّ إقفال الطريق في شارع الحمرا.

وكان لافتاً الدور التحريضي المشبوه التي تقوم به بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية لحرف التظاهرات عن أهدافها المطلبية باتجاه التصويب على قيادات المقاومة ورئيس الجمهورية، فضلاً عن الكم الهائل من المعلومات والإشاعات المغرضة وتحريض المتظاهرين على حزب الله، ومنها ما ذكرته قناة أم تي في ونسبته الى مصادر مقربة من الحزب بأنه إذا لم يتجاوب المتظاهرون مع الورقة الاقتصادية فيدرس الحزب التدخّل ودعم الحريري ورئيس الجمهورية، ونفت أوساط مطلعة لـ»البناء» هذه الأخبار، مشيرة الى أن «التظاهر حق للمتظاهرين ومكفول في الدستور ولا ضرر في استمراره طالما بقي في الإطار السلمي والقانوني»، واوضحت أن «الحزب يدعو الى منح فرصة لتطبيق الورقة الاقتصادية التي أقرتها الحكومة. وهذه الورقة تطرح معالجات جدية لتحقيق الإصلاح المنشود ومحاولة اولية يجب انتظار مفاعيلها والعمل على متابعة آليات تنفيذها». واستبعدت مصادر لـ «البناء» استقالة الحريري، مشيرة الى أن «رئيس الحكومة أعلن لمكونات الحكومة أنه لن يتهرب من المسؤولية والجميع في مركب واحد يعملون على احتواء الموقف وتلبية المطالب الشعبية»، إلا أن المصادر تخوفت من «خطوة يقدم عليها رئيس الاشتراكي وليد جنبلاط بالانسحاب من الحكومة تؤدي الى تغيير الموازين الحكومية والسياسية».

وأشار وزير الشباب والرياضة محمد فنيش الى ان ما حصل في مجلس الوزراء ما كان ليحصل لولا الحراك الشعبي، وهذا الحراك كانت ثمرته إسقاط الضرائب على الناس، وبحال تمّ تطبيق الموازنة فإنها موازنة نموذجية، وستكون لها انعكاسات نقدية ومالية لصالح المواطن من دون ضرائب جديدة على الناس.

كما نفت مصادر بعبدا «المعلومات التي تناولتها بعض الوسائل الإعلامية عن تدهور صحة رئيس الجمهورية ميشال عون وأكدت أن الرئيس بصحة جيدة».

واستمر الإضراب في المؤسسات العامة والخاصة وقطع بعض الطرقات لليوم الخامس على التوالي، وسط توقعات باستمرار الوضع على حاله فترة طويلة، ما قد يترك تداعيات على الاستقرار الأمني والاجتماعي والمالي، وبعدما سُربت معلومات عن تدخل لقوى الجيش والأمن الداخلي بفتح الطرقات بالقوة، نفت مصادر قوى الأمن ذلك، كما أكدت قيادة الجيش في بيان أنَّها غير معنيّة بأيّ خبر لا يصدر عنها بشكل رسمي.

وكانت بيروت شهدت أمس، مسيرة دراجات نارية تحمل اعلام حزب الله وحركة امل تجوب شوارع بيروت، كما شهد مدخل عين التينة مقر رئيس المجلس النيابي نبيه بري تظاهرة دعم شعبية حملت أعلام أمل وهتفت داعمة لرئيس المجلس. كما شهدت مدينة صور تظاهرة أخرى مؤيدة لبري.

وفيما زادت المخاوف من اشتباكات بين المتظاهرين في رياض الصلح وساحة الشهداء وبين مسيرات أمل وحزب الله، نفذت وحدات الجيش انتشاراً مكثفاً في شوارع العاصمة وأفاد موقع «مستقبل ويب» أن الحريري اتصل بقائد الجيش العماد جوزف عون وعرض معه التطورات الأمنية. وشدد الحريري خلال الاتصال على وجوب حماية المتظاهرين وعدم السماح بالمساس بأي منهم، مع التأكيد على وجوب فتح الطرقات إفساحاً في المجال أمام حرية تنقل المواطنين في كل المناطق وتأمين الخدمات الصحية والمعيشية .

على صعيد التدخل الخارجي، قالت مصادر دبلوماسية لـ»البناء» إن «لا قرار خارجي بالضغط على رئيس الحكومة لتقديم استقالته ولا باستقالة الحكومة، بل القرار الأميركي لا يزال نفسه بالحفاظ على الحكومة التي توفر مظلة الاستقرار الداخلي»، موضحة أن «واشنطن لديها ما يكفي من المشاكل والازمات الداخلية والخارجية لتنشغل بها، وبالتالي لا تبحث عن مشاكل اضافية في لبنان».

2019-10-22
عدد القراءت (1499)