نقاط على الحروف نقاط على الحروف رهانان أميركيّان استراتيجيّان يسقطان... وتفوّق تكتيكي لمحور المقاومة

ناصر قنديل

– بات واضحاً أن الأميركيين عندما وضعوا حزمة العقوبات المشدّدة على إيران بنوا رهانهم على سياقين متكاملين: الأول هو الرهان على تأثير العقوبات على جعل القيادة الإيرانية بعد مرور زمن كافٍ يتراوح بين سنة وسنتين، مضطرة للاختيار بين تمويل حاجاتها الاقتصادية الضرورية وتمويل برامج أمنها القومي، أي البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي ودعم حركات المقاومة، والرهان الثاني هو خلق إجماع دولي على اعتبار الخروج الإيراني من الاتفاق النووي مساساً بالأمن والسلم الدوليين، يحمّلها تبعات عودة العقوبات من مجلس الأمن الدولي على قاعدة ان موقعها في الاتفاق مختلف عن موقع أميركا. فهي الجهة التي تقع على عاتقها التزامات نووية تمس الأمن والسلم الدوليين والخروج الأميركي من الاتفاق لا يقع تحت هذا البند ولو اختلف معها الشركاء الدوليون في الموقف من خروجها وعودتها الأحادية للعقوبات، وبالتوازي خلق إجماع دولي على اعتبار أي تهديد لأمن أسواق النفط من معابر وممرات الخليج تهديداً للملاحة الدولية، وتحميل إيران تبعات ذلك بالعقوبات وسواها.

– في سياق موازٍ راهن الأميركيون الذين أعلنوا الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران قبل أكثر من عام على خلق دينامية إقليميّة تحاصر إيران عبر حلف أميركي خليجي إسرائيلي يتمكن من فرض حل للقضية الفلسطينية، يرضي أمن «إسرائيل» ويغدق الأموال على الفلسطينيين. وبالتالي وقتوا الحزمة القاتلة من عقوباتهم مع التوقيت الافتراضي لإطلاق كائنهم العجيب المسمّى بصفقة القرن، وكانت الحسابات الأميركية أن يتزامن خلق الإجماع الدولي بوجه خطر خروج إيران من الاتفاق النووي والعودة للتخصيب المرتفع لليورانيوم، مع الإجماع الدولي بوجه أي نشاطات مؤثرة على أسواق النفط العالمية تثبت مقولة إيران بأن نفط الخليج لن يكون متاحاً ما لم تصدر إيران نفطها، مع إطلاق مبهر لصفقة القرن يقف فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي وضعت واشنطن كل ثقلها لتمكينه من البقاء قوياً، ويقف مثله رئيس السلطة الفلسطينية ومعهما الرئيس الأميركي وقادة الخليج لإعلان نهاية القضية الفلسطينية، وجنباً إلى جنب كان السعي لهدنة طويلة بين حماس وجيش الاحتلال في غزة، تدعمه مجموعة إغراءات اقتصادية، يحيّد أي تأثير لقدرات المقاومة عن إمكانية تعطيل صفقة القرن.

– اليوم يقف الأميركيون أمام لحظة الاستحقاق، فيكتشفون أنهم يحصدون الفشل الاستراتيجي على الرهانين الكبيرين، العقوبات القاتلة على إيران دون تمكينها من العودة للتخصيب المرتفع ودون تبعات على أسواق النفط، من جهة، وإطلاق صفقة القرن بالتزامن بغطاء فلسطيني وحضور إسرائيلي قويّ، من جهة مقابلة. فالرهانان يسقطان سقوطاً مدوياً. العقوبات التي يحتاج الأميركيون لسنتين كي يبدأ حصادها السياسي تنتج مسارات وتحديات تضع الأميركيين امام استحقاقات كبرى سقفها ستة شهور مقبلة، تكون معها أسواق النفط تشتعل في ظل تحوّل المناخ الدولي للوساطة بين واشنطن وطهران، وتكون إيران قد امتلكت من اليورانيوم المخصب على درجة عالية ما يكفي لإنتاج قنبلة نووية في ظل تفهم روسي وصيني وارتباك أوروبي، وبالتوازي يشهدون إجماعاً فلسطينياً على رفض صفقة القرن، وتهاوياً إسرائيلياً سياسياً، يجعلان المشروع عاجزاً عن الإقلاع.

– الفشل الاستراتيجي الأميركي يمنح إيران وقوى المقاومة تفوقاً تكتيكياً. فالمواجهة أظهرت المكانة المميّزة التي تمكن أنصار الله من احتلالها في مشهد الخليج، بصورة ربطت أي تهدئة بتسوية تحفظ مطالب اليمنيين ومكانتهم، والتحالف الروسي السوري الإيراني مع قوى المقاومة ينجز تفوقاً في إدلب، ويجعل ساعة الحسم في سورية أقرب، فتتراجع الأوهام الأميركية حول قدرة البقاء في شرق سورية حتى ساعة المقايضة بين الانسحاب وانسحاب موازٍ لإيران وقوى المقاومة.

2019-06-17
عدد القراءت (367)