نقاط على الحروف في 25 أيار 2000 تغيّر وجه العالم

ناصر قنديل

– لا يحتاج المرء للدلالة على مكانة «إسرائيل» في المنظومة الغربية التي كانت تحكم العالم حتى العام 2000، عندما كان الاتحاد السوفياتي قد تفكك وروسيا تلتقط أنفاسها من غيبوبة عشر سنوات، وعندما كانت واشنطن قد أحكمت قبضتها على أوروبا الشرقية ووصلت حدود روسيا بثوراتها الملوّنة، ولا يحتاج المرء لإثبات أن مكانة «إسرائيل» في المنظومة الغربية كجدار حماية في المنطقة الأهم من العالم، حيث خطوط التجارة وموارد النفط والغاز، قد أصيبت بزلزال في 25 أيار عام 2000 عندما أجبرت على الانسحاب من جنوب لبنان بالقوة، دون تفاوض ودون قيد أو شرط.

– يقول باتريك بوكانن القيادي في الحزب الجمهوري الأميركي الذي نافس جورج بوش على الترشّح للرئاسة داخل الحزب عام 2000، في مقالة له عشية الغزو الأميركي للعراق، إن أميركا وجدت نفسها بعد السقوط المدوّي لجدار القوة الإسرائيلي معنية بالحضور المباشر إلى المنطقة، لاحتواء القوتين الصاعدتين، إيران وسورية وتطويقهما، باحتلال العراق وافغانستان أملاً بردّ الاعتبار لقدرة «إسرائيل» وتمكينها من شنّ حرب تمسح عار هزيمتها وتحول دون نشوء معادلة جديدة في المنطقة. وتقول الوقائع التي جرت بعد ذلك، خصوصاً في حرب تموز 2006 إن هذا ما حدث، وإن واشنطن أعلنت مسؤوليتها عن هذه الحرب ووصفتها بالفرصة لاستيلاد شرق اوسط جديد، لكن النتائج كانت عكسية، وغرقت أميركا و»إسرائيل» في بحر الفشل.

– حاولت واشنطن إدخال المنطقة في حروب الفوضى أملاً بأن تنهار سورية في قلب هذه الحروب، وتتعدل الموازين، فجاءت روسيا إلى المنطقة وزادت قوة إيران وتنامت قدرات حزب الله بصفته القوة المحوريّة في المقاومة التي صنعت انتصارَيْ 2000 و2006، ونهضت مقاومة في فلسطين فرضت المزيد من الإصابات في قدرة «إسرائيل» على الاحتلال والردع معاً، وما تشهده المنطقة من تصعيد ليس إلا من التردّدات التي لا زالت تتفاعل منذ ذلك الزلزال في 25 أيار عام 2000، الذي بات ثابتاً أنه حدث أكبر من الهزيمة الأميركية في حرب فييتنام، واكبر من الفشل في حربي العراق وأفغانستان، وان محاولات محو آثاره لا تزال القضية التي تقلق الأميركيين والإسرائيليين، وقد تعمّم القلق معهما ليصيب حكام الخليج، فإذ بالذهاب لحرب اليمن ينتج نظيراً مقاوماً يسير على خطى حزب الله وينمو ويخلق المزيد من المعادلات، بينما جرى اختبار استجلاب تنظيم القاعدة لخوض حرب بالوكالة في سورية وكانت النتيجة الفشل المضاعف.

– عقدة 25 أيار 2000 تلاحق الأميركيين، وهم يحاولون المستحيل اليوم للتملّص منها، وقليل من التدقيق سيكشف أن قضيتهم مع إيران ليست ملفها النووي، وأن قضيّتهم مع سورية ليست نظام الحكم فيها، فماذا لو قبلت إيران وسورية بقدر من المرونة مع متطلبات واشنطن في الأمن الإسرائيلي، بل ماذا لو قبلت سورية وإيران وقف دعم المقاومة، الذي يشكل دائماً البند الأول في دفتر الشروط الأميركي منذ حمله كولن باول إلى الرئيس السوري بعد دخول الدبابات الأميركية إلى بغداد؟ والجواب معلوم، لا تبقى مشكلة مع إيران في ملفها النووي ولا مشكلة مع سورية في نظام الحكم فيها، وتصير إيران ضامناً لأمن المنطقة وتصير سورية رأس اللائحة في الدول الديمقراطية.

– في 25 أيار قال التاريخ كلمة فاصلة، ولن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، لقد كتب المقاومون مستقبل العالم ووقعوا بدمائهم. ومَن يعشْ يرَ!

2019-05-25
عدد القراءت (304)