كتب ناصر قنديل النقابات الرجعيّة

– لعبت نقابات موظفي المصارف ونقابة موظفي مصرف لبنان دوراً قيادياً في العمل النقابي، وراكمت هذه النقابات في تحرّكات لقيت خلالها مساندة الجسم النقابي كله مكاسب للموظفين في مصرف لبنان والمصارف سمحت لهم بالحصول على وضع مهنيّ وماديّ أفضل من الموظفين والعاملين في أغلب القطاعات الموازية. وخلال نمو الفقاعة المالية القائمة على مراكمة الدين لسداد عجز الخزينة، أو عبر سندات اليوروبوند التي كانت تهدف فقط لتغطية عجز ميزان مدفوعات باستدانة دولارات لا يحتاجها لبنان لكنها تساعد في إطالة أمد كذبة تثبيت سعر صرف الدولار، نمت وتطوّرت مكاسب موظفي مصرف لبنان والمصارف. وخلافاً لما كان عليه الوضع السابق عندما كانت النقابات تلعب دوراً تحذيرياً من مخاطر تتهدّد الوضع الماليّ وسياسات مقامرة خطيرة تقوم بها المصارف أو ينتهجها مصرف لبنان. وعندما كان الخبراء من هذه النقابات وهم موظفون يتولون شؤون الدراسات وقياس المخاطر في مصرف لبنان والمصارف يرفعون الصوت عالياً مندّدين بالسياسات الخاطئة والتهاون بالمسؤوليات الواقعة على عاتق مصرف لبنان والمصارف، صمتت النقابات وصمت الخبراء العاملون في مصرف لبنان والمصارف، بل تولى أغلبهم التسويق للسياسات السيئة والتدميريّة التي أدت إلى الانهيار.

– خلال أيام صدرت بيانات عن النقابات، واحد عن نقابة موظفي مصرف لبنان وآخر عن اتحاد موظفي المصارف، ولا أحد يزاحم موظفي مصرف لبنان وموظفي المصارف على مكاسبهم، أو يعترض على حقهم بالمطالبة بضمان أمنهم في أي مواجهة مع مصرف لبنان والمصارف، أو تنديدهم بكل حادثة تصيب أي من الموظفين بالأذى، فهذا كله مقبول وفي مكانه ولا يمكن أن يلقى الاحتجاج أو الاعتراض.

– الذي يثير الاستغراب هو أن تتولى نقابة موظفي مصرف لبنان بالنيابة عن حاكم المصرف، أي رب العمل بالتوصيف النقابيّ، لتعطيل التدقيق الجنائي، فترفض النقابة رفع السريّة المصرفيّة عن حسابات الموظفين دون أن يرد في الرفض أي سبب يبرره، إلا السعي لتعطيل تدقيق جنائيّ يعرف الجميع ان حاكم المصرف حاول مرات عديدة وبذرائع متعددة تعطيله.

– ان يستنكر اتحاد موظفي المصارف ما جرى في فرع أحد المصارف في جب جنين من احتجاز وترويع وتهديد لحياتهم وأمنهم على خلفية احتجاج أحد المودعين على سرقة وديعته ومطالبته باستعادتها. فهذا حق للنقابات، لكن أن يتضمن بيان اتحاد نقابات موظفي المصارف نصاً يقول إن المصارف لا تتحمّل مسؤوليّة ضياع الودائع، وهي لم تسرقها، وإن أموال المودعين عند الدولة فتلك قمة العبوديّة والتبعيّة والذل، من النقابات المعنيّة، لأن مسؤولية المصارف كما يعلم الموظفون الذين يطلبون من المودعين توقيع عقود الإيداع، هو تحمّل مسؤولية الوديعة واستثمارها وعدم تحمل المودع أية مسؤوليّة في الخيارات التي تتخذها إدارة المصرف في توظيف وديعته، وكان أقصر الطرق إذا استعصى الاستثمار الآمن رد الوديعة لصاحبها، أما التوظيف السيئ والمخاطرة بأصل الوديعة طلباً للحصول على فارق الفائدة التي يدفعها مصرف لبنان وتلك التي يسدّدها المصرف للمودع، مع معرفة حجم المخاطر في هذا التوظيف واحتمال ضياع الوديعة، وبالمقابل عدم تحمل المصرف أية مسؤولية في ردها، فهو سرقة موصوفة وإخلال بموجب الأمانة.

– من المؤسف أن تتحوّل نقابات يحفل تاريخ قياداتها السابق بالمواقف والأدوار التقدميّة، بأمثال غالب بومصلح وصياح هاني وسواهما، إلى مجرد أدوات وأبواق للنظام المالي والمصرفي، الذي تسبب بالانهيار الكبير، فتسجل في تاريخها أنها اول نقابات رجعيّة في الحياة الوطنية اللبنانية.

2022-01-20
عدد القراءت (281)