نقاط على الحروف من سيملأ الفراغ الأميركي ؟ نقاط على الحروف

ناصر قنديل
- تغير الأولويات الأميركية لصالح الداخل الأميركي المفكك والمنقسم والمأزوم كما
وصفه الرئيس الأميركي جو بايدن ، أو لصالح مواجهة تحديات بحجم التفوق الصيني
الإقتصادي والتفوق العسكري الروسي ، كما كتب بايدن في مقالته التي نشرها في مجلة
الفورين أفيرز قبل أقل من سنة ، يعني أن منطقة الشرق الأوسط التي شكلت خلال
عقدين مسرح الحركة الأميركية الرئيسي عسكريا وسياسيا ، ستشهد إعادة تموضع
جديدة وفق قواعد يسميها بايدن ربط التحالفات بحساب المصالح العليا للأمن القومي
الأميركي في إستخدام القوات الأميركية ، وقواعد موازية يسميها بايدن الإستناد الى
أطر قانونية قابلة لتشكيل إجماع دولي ، مثل الإتفاق النووي مع إيران ، وصيغة حل
الدولتين للقضية الفلسطينية ، وبنتيجة هذا التموضع الأميركي الجديد ستصاب الإندفاعة
الأميركية التي شهدناها في ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب ، لترجمة خطة تحالف
ثلاثي أميركي إسرائيلي سعودي للتصعيد في المنطقة ، والنتيجة أبعد من التراجع الذي
سيصيب الثنائي الإسرائيلي السعودي ، الذي سينال الحماية الأميركية دون أن تنال
مشاريعه الإنخراط الأميركي ، فالنتيجة هي فراغ إستراتيجي ناشئ عن التراجع
الأميركي بعدما ملأته الإدارات المتعاقبة بما فيها إدارة باراك أوباما وجو بايدن ،
بالحروب الخشنة اولناعمة والفتن ، في ظل عجزها عن ملئه بمشروع سياسي قادر
على إستقطاب القوى الفاعلة في المنطقة لبناء نظام إقليمي صلب قادر على صنع
الإستقرار ، فمن سيملأ هذا الفراغ ؟
- في عام 2009 كان المشهد المشابه الناشئ عن فشل الحروب الأميركية ، وعشية
وضع مشروع الحرب الناعمة المسماة بالربيع العربي قيد التنفيذ ، يطرح سؤالا مشابها
، ويومها دعا الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد مشروع البحار الخمسة ، القائم على
دعوة دول حوض بحر قزوين والخليج والبحر الأحمر والبحر المتوسط والبحر الأسود
لتشكيل نظام إقليمي يضمن الإستقرار ، وكانت سورية صاحبة الدعوة تسعى لإقناع
تركيا ومصر والسعودية بالإنضمام للدعوة التي ضمنت تجاوب روسيا وإيران معها ،
وكانت النتيجة تشارك تركيا والسعودية في الحرب على سورية ، وتحويل مصر الى
حقل تجارب لمشروع الحرب الناعمة عبر حكم الأخوان المسلمين ، وبعدما إختبرت
تركيا نظريات وأحلام العثمانية الجديدة ، وإكشتفت ما ينتظرها مع مشاريع التفتيت

وإقامة دويلات كردية في سورية والعراق ، وتموضعت في منتصف الطريق وهي
تحتجز بعض الجغرافيا السورية وتقدم المأوى والرعاية للجماعات التكفيرية افرهابية
التي بدأت بها الحرب على سورية ، ذهبت السعودية للشراكة مع "إسرائيل" في رهان
الحرب المفتوحة مع إدارة الرئيس ترامب ، وخرجت مصر من تجارب العقد الماضي
عاجزة عن لعب دور القطب القيادي في السياسات ، بحيث أصيب مشروع البحار
الخمسة في فرص قيامه بملء الفراغ قبل عشر سنوات ويصاب اليوم ، بنتيجة تآمر
الدول صاحبة المصلحة بقيامه عليه تحت تأثير تعليمات وأوهام وزعها الأميركي
لخوض الحرب على سورية ، فمن سيملأ الفراغ اليوم ؟
- الواضح أن لاقوة جاهزة لملء هذا الفراغ ، بتفاهمات سياسية دولية ، حيث المرشح
الأوفر حظا بحكم الدور والمكانة والقدرة وهو روسيا ، لن يحظى بتفويض أميركي
وغربي يتعدى تفاصيل وجزئيات يفرضها الوجود الروسي المباشر حيث يستحيل
تجاهله كحال سورية ، بينما يستعصي تسليم واشنطن بدرو روسي في العراق والخليج
، ورعاية حل للقضية الفلسطينية ، في ظل وضع إدارة الرئيس بايدن للمواجهة مع
روسيا ضمن الأولويات الإستراتيجية ، بينما لا تملك الدول الأوروبية وفي طليعتها
فرنسا ، القدرة والأهلية للعب دور بهذا الحجم ، بعدما كشفت تجربة الخروج الأميركي
من الإتفاق النووي العجز الأوروبي بأعلى صور الحضور ، حيث تمسكت اوروبا
بافتفاق وعجزت عن تنفيذ إلتزاماتها تحت شعار عدم إستغضاب أميركا ، ولن يكون
ورادا عند محور المقاومة وروسيا وهما يشهدان التراجع الأميركي من الباب ان يتيحا
عودته بالوكالة الأوروبية من الشباك ، وهذا يعني أن حالة من السيولة وظهورالكثير
من الخواصر الرخوة الأمنية والسياسية ستظهر في المنطقة ، سيحاول الثنائي السعودي
الإسرائيلي بمعونة بعض الأجنحة الأمنية الأميركية ملؤه عبر إعادة إحياء تنظيم داعش
، وعبر تسريع إستيلاد نماذج تقسيمية قد يكون العنوان الكردي أبرزها ، وسيكون على
محور المقاومة الإستعداد لحسم هذه الظواهر بالقوة ، والإستعداد لبلورة صيغة سياسية
تتيح تقديم سقف ضامن للإستقرار كبديل للفوضى .

2021-02-18
عدد القراءت (425)