نقاط على الحروف قضايا على درجة عالية من الأهمية وقد دخلنا التفاوض ! نقاط على الحروف ناصر قنديل

- يقبل الوضع اللبناني على التساكن لمدى زمني لا نعرفه ، مع ما يمكن أن يشكل أكبر حدث سياسي
وطني في حياة الدولة اللبنانية ، بما هي دولة ، وليست مجموعة طوائف وأطراف سياسية ، فنهاية
مساعي وضع اطار تفاوضي برعاية أممية ووساطة اميركية مع كيان الاحتلال لترسيم الحدود
يشكل نقطة فاصلة تبدأ معها مرحلة جديدة شديدة الحساسية والأهمية ، سواء لجهة تولي الدولة بما
هي دولة مسؤولية مباشرة مرجعية تتصل بكل ما يحيط بالصراع مع كيان الإحتلال من مخاطر
وتحديات ، وتنفتح على كل ما يحيط بمفهوم العلاقات الدولية بترابط السياسة والإقتصاد فيها من
بوابة أهم ثروات المنطقة والعالم التي يمثلها الغاز وترتسم حولها وعندها خطوط تماس وتفاهمات ،
ينتقل لبنان كدولة مع ولوج بابها من ساحة من ساحات الصراعات الكبرى ، إلى مشروع لاعب
إقليمي وازن .
- الإدارة الرشيدة لهذا الملف بتشعباته ، وقد أنيط بإجماع وطني بالمؤسسة الوطنية التي يمثلها الجيش
اللبناني ، تحت رعاية مثالية يوفرها وجود رئيس جمهورية هو العماد ميشال عون ، الذي لا يجادل
خصومه في وطنيته واستقلاليته وشجاعته وعناده وصبره ، وكلها ميزات يحتاجها صاحب الملف
في هذه المفاوضات ، ويثق بالمقابل أصدقاؤه بأنه أهل لحمل مسؤولية ملف بهذه الحساسية لإتصاله
بالمقاومة والجيش والدولة ، وموقع لبنان من صراعات المنطقة في زمن صفقة القرن وتضييع
الحقوق والتطبيع الزاحف بلا أثمان ، وزمن صراعات محاور شبكات الطاقة شرقا وغربا .
- ينطلق لبنان إذن من نقطتين هامتين كمصادر قوة هما الجيش والرئيس ، حيث يضاف لموقعهما
المؤهل والموثوق لإدارة الملف ، كونهما بصورة طبيعية ودستورية يشكلان الجهات المرجعية التي
لاجدال حول موقعها من إدارة هذا الملف ، ومن هنا وصاعدا لا جدال في مرجعية الجيش ولا في
إشراف الرئيس ، فهل تكون المصلحة العليا للدولة بأن نلزم الصمت ونقول اتركوا للرئيس والجيش
ما يريانه مناسبا كل في نطاق إختصاصه وحدود مسؤولياته وما تنص عليه صلاحياته ، أم تعالوا
لنقاش وطني يسهم فيه الجميع حول الأمثل والأفضل ، وليترك الإختيار للأفضل وطنيا بين ايدي
الرئيس والجيش ؟
- أخطر ما قد يواجهنا هو تصرف البعض على قاعدة إعتبار أن كل رأي وتداول بمقتضيات
المصلحة الوطنية في هذا الملف هو نوع من التشكيك بأهلية القيادات العسكرية المتخصصة في
الجيش او الفريق الرئاسي اللذان يتوليان تحضير أوراق المهمة ، بدلا من السعي لتشجيع كل نقاش
وإلتقاط كل نصيحة أو فكرة ، على قاعدة أن لبنان كله يقف خلف رئيسه وجيشه ، خصوصا أن
المشكلة لن تكون في الجوهر ، لأن الرئيس والجيش كفيلان بهما ، والمشكلة تقع في الرموز
والتفاصيل والشكل لأن قيادة الكيان تضع ثقلها فيهما ، وقد لاينالان من الفريق الذي يتولى
التحضير ما يكفي من الحذر بداعي الثقة المفرطة بالذات ، أو بداعي الموروث من اللعبة الداخلية
وتجاذباتها .

- قبل ان تبدأ المفاوضات بدأ قادة الكيان بمحاولات التلاعب بالتفاصيل والشكل والرموز مثل مستوى
الوفد وتشكيله من مدنيين ، وضم دبلوماسيين إلى صفوفه ، ما يستدعي حرفية وذكاء في ادارة هذه
التفاصيل والرموز وكل ما يتصل بالشكل وتحديد تكتيكات لشروط تصعيدية وحدود التراجع عنها ،
ومراحل التراجع مثل رفض الجلوس في غرفة واحدة ، ورفض وجود مدنيين والتمسك بالطابع
العسكري للتفاوض ، وتحديد المستوى الأعلى لرتبة رئيس الوفد من الطرفين ، لما يسمى تفاوض
ما قبل التفاوض بواسطة الراعي أممي والوسيط الأميركي ، حتى لو أدى ذلك إلى تأجيل الجلسة
الأولى التي بدأ الأمريكي يضغط لتضمينها صورة تذكارية ، ويجب ان يكون الوفد المفاوض
ومرجعياته العليا محميان من أي انتقاد علني داخليا ، عندما تكون المفاوضات قد انطلقت ، وأن
يكون هامش المناورة المتاح للمفاوض برفع السقوف وتخفيضها ضمن أشد مقتضيات الحذر من أي
تجاوز لخطوط حمراء يرسمونها ، هامشا واسعا محميا بثقة عالية ، بحيث قد يرفض الوفد الجلوس
في غرفة واحدة ثم يقبل بعد عناد ساعات بشروط مشددة تحقق غاية التفاوض غير المباشر ، أو أن
يشترط عدم تسمية الوفد الإسرائيلي إلا بضمير الغائب ، هو وهم يقول ويقولون ، وأن لا تكتب
المداخلات التفصيلية في المحاضر الأممية المعتمدة ، ويكتب كل فريق محضره الخاص ، ويتضمن
المحضر الأممي حصرا ، إختلف الفريقان وأتفق الفريقان ، وسواها من التفاصيل التي تشكل ما
يعرف برموز التفاوض ذات المعنى والأبعاد .
- يجب أن لايغب عن بالنا في كل لحظة أن لبنان يدخل التفاوض على ترسيم الحدود وفقا لضوابط
تهدف لمنع أي إيحاء بالتطبيع والإعتراف بالكيان وتضمن مساعي حصول لبنان على حقوقه كاملة
دون التورط بما يمنح العدو مكاسب سياسية ومعنوية بالإيحاء بأن ما يجري مع لبنان هو جزء مما
يجري في المنطقة من مناخات التطبيع ، والقضية الرئيسية التي لا تحتمل تأجيلا لصفتها المرجعية
في التفاوض ، وكونها من موروثات ما قبل التفاوض ، تنطلق من السؤال الذي يجب طرحه هو
إلى ماذا سينتهي التفاوض في حال التوصل لتثبيت نقاط ترسيم الحدود ، وما هو التوصيف القانوني
لهذا التثبيت ، وربما يكون ذلك موضوع الجلسات الأولى ، والجواب يجب ان ينطلق من الجواب
الداخلي على السؤال لبنانية ، هل يكون بصيغة إتفاقية أو معاهدة يبرمها مجلس الوزراء وتذهب الى
المجلس النيابي طالما انها تتضمن ما يتصل ببعد مالي تمثله ثروات النفط والغاز ، حتى لو سميت
معاهدة ترسيم حدود ، أم أنها ستنتهي بتوقيع محاضر تعدها الأمم المتحدة ويوقعها وفدا التفاوض ،
اي من جهة لبنان الوفد العسكري اللبناني أسوة بما جرى في تفاهم نيسان ومن بعده ترسيم نقاط خط
الإنسحاب عام 2000 بمحاضر وخرائط موقعة من الجانبين وتصديق الأمم المتحدة مضافا إليها
الأميركي كوسيط هذه المرة مثلما كان الأميركي والفرنسي في لجان تفاهم نيسان ؟
- الجواب البديهي المتوقع هو أن يتمسك لبنان بأن غرض هذا التفاوض هو التوصل الى محاضر
وخرائط موقعة تودع لدى الأمم المتحدة ، وبأن يصر الجانب الإسرائيلي على أن تنتهي المفاوضات
بمعاهدة يعتبرها تقاسما لحقوق إقتصادية ليطلق عليها صفة المعاهدة ، والمعاهدات تعني ضمنا
وتشترط ضمنا إعترافا متبادلا بين الفريقين ، وتجعل التفاوض مباشرا بينهما حتى لو لم يتخاطبا
مباشرة بكلمة في جلسات التفاوض .

- السؤال هو هل سيكون بمستطاع الوفد اللبناني الدفاع عن نظرية المحاضر والخرائط لا المعاهدة ،
إذا بدأ تشكيل الوفد التفاوضي تحت عنوان ممارسة رئيس الجمهورية لصلاحياته الدستورية التي
تنص عليها المادة 52 من الدستور بصفته من يتولى المفاوضة على المعاهدات الدولية ؟
- القضية هنا لا تتصل بالإحتماء بعدم أحقية وفد كيان الاحتلال بالدخول على خط موادنا الدستورية
، بل بالتمسك المطلوب في منطق الوفد اللبناني مع مرجعياته أمام الراعي الأممي والوسيط
الأميركي ، وتماسك هذا المنطق أولا في عقول وروحية الضباط اللبنانيين المولجين بالتفاوض ،
خصوص أن مصدر السؤال لا ينبع من دعوة لعدم تولي رئيس الجمهورية الإشراف على التفاوض
، ورعاية الوفد المفاوض ، بل من السعي لتحصين موقع الرئاسة ومنع أي توريط لها بما يقيد
مهمتها لاحقا ويضعها ويضع لبنان في مكان لا ينفع معه الندم .
- تمنح المادة 49 من الدستور رئيس الجمهورية صلاحيات أهم وأوسع وتتناسب تماما مع المطلوب
لرعايته التفاوض والإشراف عليه وعلى الوفد المفاوض ، وتجنيب الرئاسة ولبنان مطبات الحديث
عن معاهدة وتتيح ضبط التفاوض بصفته تفاوضا تقنيا عسكريا سينتهي بمحاضر وخرائط ، فالمادة
49 تنص على أن رئيس الجمهورية يسهر على وحدة لبنان وسلامة اراضيه وهو القائد الأعلى
للقوات المسلحة ، والرئيس يشرف على المفاوضات من موقع سهره على وحدة وسلامة اراضي
لبنان ، ويرعاها عبر وفد عسكري بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ، وهذا هو الأكثر إنسجاما
أصلا مع اي مهمة لترسيم حدود ، فلو تخطينا كونها تجري مع عدو لا تفاوض مباشر معه ولا
إعتراف لبناني به ، سيقوم الرئيس بالإشراف على مهام الترسيم مع دولة شقيقة مثل سورية بصفته
المعني بسلامة أراضي لبنان وكقائد أعلى للقوات المسلحة ، وليس بصفته من يتولى التفاوض على
المعاهدات الدولية ، علما ان لامحظور مع سورية في الذهاب لمعاهدة .
- اذا كان مفهوما في مرحلة ما قبل اتفاق الاطار الترويج للمادة 52 لمطالبة رئيس مجلس النواب
بترك المساعي السياسية مع الأميركيين لرئيس الجمهورية بصفته من يتولى التفاوض ، فان
مواصلة وضع المادة 52 في الواجهة كعنوان لمرجعية دور الرئيس سيفرض منطقا ولغة وسياقا
بما يعقد الموقف ، فالرئيس سيعلن حينئذ عن الوفد بموجب قرار ويصير عمليا هو المفاوض ، بينما
بالإستناد للمادة 49 سيصدر توجيهاته لقائد الجيش لتشكيل الوفد العسكري ، وتحت عنوان المادة
52 سيكون توجيه الوفد المفاوض التوصل لمعاهدة دولية حكما وفقا لنص المادة ، والسؤال مع من
المعاهدة ، أليست بين حكومتي "دولتي" لبنان و"إسرائيل" ؟ ، بينما في إتفاقية الهدنة التي تمثل
علميا محضر تفاهم وليست معاهدة بين طرفين ، بقي الأمر بنص المحضر ولم يكتب فيه أن هناك
فريق أول هو حكومة لبنان وفريق ثان هو حكومة دولة "إسرائيل" ، وقد إتفقتا على ما يلي ، بل
كتب النص من قبل ممثل الأمم المتحدة ، ووقع المحضر الفريقان ، وورد في النص الأممي عقد
إجتماع بتاريخ كذا وحضر فلان وفلان ممثلين للجهة الفلانية وفلان وفلان للجهة العلانية ،
وبحصيلة المحادثات بعد التحقق من تفويضهما القانوني سيلتزم الفريقان ، ويؤكد الفريقان ، وفي
المقدمة ورد ان الاتفاقيه انفاذ لقرار مجلس الأمن ، ولم تبرم اتفاقية الهدنة كمعاهدة لا في مجلس
النواب ولا في مجلس الوزراء ، وبقيت محضرا وخرائط موقعة وقعتهما وفود عسكرية لم تخض
مفاوضات مباشرة ، والأقرب زمنيا والأقرب مثالا في الموضوع أكثر هو كيف تم تثبيت النقاط

المتفق عليها في الحدود البرية عام 2000 وكيف سجلت التحفظات على النقاط الحدودية الأخرى ،
أليس بمحاضر وخرائط ؟
- ببساطة ان اعلان رئيس الجمهورية أنه من موقع مسؤوليته عن سلامة الأراضي اللبنانية وكقائد
أعلى للقوات المسلحة وفقا لنص المادة 49 التقى وفد لبنان المفاوض على ترسيم الحدود بحضور
قائد الجيش وأعطاه التوجيهات ، سيكون له معنى سياسي وقانوني مختلف داخل لبنان وخارجه
وعند العدو عن اعلان الرئاسة بأن الرئيس أصدر بموجب صلاحياته في المادة 52 من الدستور
التي يتولى بموجبها المفاوضة على المعاهدات الدولية قرارا بتشكيل الوفد المفاوض حول ترسيم
الحدود .
اللهم اشهد أني قد بلغت .

2020-10-10
عدد القراءت (14403)