نقاط على الحروف استراتيجية التفاوض مع الأميركي والإسرائيلي : الشروط مقابل التوقيت والحقوق مقابل الأمن نقاط على الحروف

ناصر قنديل
- تتيح أربعة جولات من التفاوض غير المباشر خاضها لبنان مع كيان الإحتلال في زمن
المقاومة ، إستخلاص قواعد يمكن أن تشكل الأساس في إستراتيجية التفاوض ، وهي
قابلة للتحول إلى أسس لمدرسة جديدة في التقاوض ، المتعدد الأطراف ، واللامتوازن
على صعيد أوراق الضغط والقوة ، ومن خلال مراقبة هذه الجولات التي تمتد منذ تفاهم
نيسان عام 96 والتحقق من الإنسحاب الإسرائيلي عام 2000 وصولا للقرار 1701
كتتويج لنتائج حرب تموز 2006 وإنتهاء بإتفاق الإطار للتفاوض حول ترسيم المناطق
الإقتصادية ، يمكن تتبع خط ناظم مكرر في هذه الجولات ، يصلح للتحول إلى منهج
تفاوض لقوى المقاومة ، خصوصا عندما يتزاوج وجودها المقاوم مع وجودها في
ممارسة السلطة في الكيان السياسي الوطني .
- تشترك هذه الجولات التفاوضية في كونها غير مباشرة ، و في أنه يحضر خلالها
الأميركي مباشرة ومن خلال الأمم المتحدة الخاضعة لسيطرته ، منهجية واحدة تحدد
خلالها المقاومة وفريقها السياسي المفاوض ، الذي مثله الرئيس السوري الراحل حافظ
الأسد والرئيس الراحل رفيق الحريري في تفاهم نيسان ومثله الرئيس السابق اميل
لحود في العام 2000 ، وقد لعب رئيس مجلس النواب في المرتين دورا محوريا ،
ليصير المفاوض المفوض والمعتمد من المقاومة في جولتي 2006 و2010 -2020
، كما تتشارك في حقيقة كون التدرج في المواقف تنازلا وتراجعا في المضمون كان
يجري على جبهة واحدة ، هي الجبهة الإسرائيلية كما ينقلها المفاوض الأميركي
والشريك الأممي ، بينما الثبات يكون على جبهة واحدة في مضمون المطالب والمواقف
، هي جبهة المقاومة ومفاوضها المعتمد ، ففي عام 96 رسمت المقاومة سقف التفاوض
بتحييد المدنيين وحصر املواجهة بالأهداف العسكرية ، بينما رفض الإسرائيلي بقوة هذا
المطلب في البداية ، وراهن على ماوصلة المواجهة حتى فرض التراجع عن هذا
الشرط أو تخفيض سقفه ، وصولا للقبول ، ومثلها عام 2000 ، حددت المقاومة
ومفاوضها المعتمد هدفها برفض التسليم بإنجاز الإنسحاب من دون تثبيت الحقوق
اللبنانية في الخط الحدودي ، وواجه الضغوط والتهديدات وصولا للتسليم بمطلبه ،

وعام 2006 كان السقف التفاوضي ، رفض القوات المتعددة الجنسيات ، ورفض
المساس بحق المقاومة في الدفاع ، وفي التفاوض حول الترسيم ، رسم السقف بالتمسك
بالتفاوض غير المباشر ، وبربط الترسيم البحري بنقطة إنطلاق من الخط البري ، من
جهة ، ومن جهة مقابلة بالإصرار على الحصول على المنطقة الإقتصادية الخالصة
للبنان دون نقصان ، وقد ثبت اتفاق الاطر ولو بعد عشر سنوات النصف الأول ، ويتجه
الى التفاوض حول النصف الثاني .
- السؤال هو كيف تنجح المقاومة وما هي إستارتيجيتها ، والجواب هو أن رسم السقف
التفاوضي المؤسس على الحقوق ، والإستعداد للصمود حتى ينضج المفاوض المقابل ،
للقبول ، مهما كان الثمن في الحرب أو في الضغط الدبلوماسي والسي أو في الحصار
الماليو العقوبات والدفع نحو الإنهيار وحافة الهاوية ، فيكون الصمود الذي يمكن أن
يتحقق بلا ثلاثة شروط ، قدرة على مواصلة المواجهة ، ومفاوض صلب ، وبيئة شعبية
حاضنة متماسكة ، بما يضمن التفوق على قدرة العدو على تحمل توزان الكلفة مع
العائدات ، فيضغط عليه التوقيت ، وتحدث المقايضة بين الشروط والتوقيت ، وفي
تفاهم نيسان نال الإسرائيلي ومن معه التوقيت بعدما ضاقت قدرته على تحمل
الإستنزاف ومثلها في حرب تموز ، بينما في العام 2000 ضاقت قدرته على تحمل
الطعن بصدقية الإتسحاب ، وهذه المرة كانت حاجته للتوقيت إقتصادية ، كما كانت
بالنسبة الأميركي سياسية وإنتخابية ، وهكذا تمت في كل منها مقايضة الشروط
بمضمون ما رسمته المقاومة ، مقابل نيل ربح التوقيت .
- بالتوازي يتحقق للمقاومة خلال مسار غير صاخب لما يتلو التفاهمات الناتجة عن
التفاوض تثيبت الحقوق ، مقابل لهاث اسرائيلي وراء الأمن ، فالأمن كان في الظاهر
مطلب المقاومة عام 96 ، لكنه صار هدفا إسرائيليا بينما نالت المقاومة حقها كدفاع
مشروع عن شعبها ، ما اسس بسلاسة على مدى سنوات قليلة للتحرير ، وفي العام
2000 ، كان أمن الإسنحاب السياسي والميداني هو ما سعى إليه الإحتلال ، بينما
تحول تثبيت الشروط إلى مسار سلس لنيل الحقوق ، وعام 2006 ظن كثيرون أن
القرار 1701 بإعتباره عهدة أممية تحت المظلة الأميركية سيكون أداة لخنق المقاومة ،
فإذ بالمقاومة تفوز بتثبيت الحقوق ، مقابل السعي الإسرائيلي لنيل الأمن بعد حرب
فاشلة تحولت عبئا وجوديا وإستراتيجيا ، وترديجا وبشكل سلس يتحول ذلك إلى فوز
المقاومة بما يضمن لها مراكمة المزيد من اسباب القوة ، فيقول الأميركي والإسرائيلي
أن المقاومة بعد ال1701 صارت أقوى مما كانت قبله ، واليوم وبسبب قوة المقاومة
يضطر الكيان لتقديم العروض ثم قبول التفاوض ، ثم قبول شروط التفاوض ، لأنه

يحتاج لأمن إستثمار تملك المقاومة قدرة تهديده ، ويصير بائنا أن مسار التفاوض
سيكرر ما سبق وأظهرته النماذج السابقة ، لجهة مقايضة الشروط بالتوقيت ومقايضة
الحقوق بالأمن .

2020-10-06
عدد القراءت (145524)